Sharḥ ʿUmdat al-fiqh

شرح عمدة الفقه

Publisher

دار عطاءات العلم (الرياض)

Edition

الثالثة

Publication Year

١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)

Publisher Location

دار ابن حزم (بيروت)

آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لَحِقَها من أعمال (٢٥)
شرح العمدة
تأليف
شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨)
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

المقدمة / 1

مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فإن «شرح العمدة» لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من الكتب الفقهية المهمة، وهو من أهم كتب المذهب الحنبلي، بل هو أوسع كتب المذهب التي وصلت إلينا، وأغناها من حيث تفصيل الروايات والوجوه، وأقوال الأصحاب المتقدمين، وإفاضة القول في مناقشتها، والترجيح بينها في كل مسألة، على الرغم من النقص الذي اعتراه فلم يكتب المؤلف إلا العبادات، وما وصل إلينا منها اعتراه بعض النقص أيضًا كما سيأتي مشروحًا.
وقد اعتمد عليه مَن بعده من تلامذة المصنف وغيرهم من فقهاء المذهب، كشمس الدين ابن مفلح صاحب «الفروع»، وشمس الدين الزركشي شارح «مختصر الخرقي»، وبرهان الدين ابن مفلح صاحب «المبدع»، وعلاء الدين المرداوي صاحب «الإنصاف»، فنقلوا منه اختيارات المصنف وترجيحاته، وبعض احتجاجاته، والأقوال الواردة فيه.
ومن المحزن حقًّا أننا لا نعرف للكتاب نسخةً كاملة، وإنما وصل كتاب الطهارة مع قسم من كتاب الصلاة في نسخة محفوظة في الظاهرية. وكانت نسخةٌ بخط الشيخ أبي بكر الجراعي الدمشقي (٨٢٥ - ٨٨٣) في القصيم تشتمل على كتب الصلاة والصيام والحج، مع خرم في أول كتاب الصلاة وآخره، وقد نُقِلت منها قبل أن تأكلها الأرضة نسختان، فهما في الحقيقة بمنزلة نسخة واحدة. وعن هذه النسخ حُقِّق الكتاب ونُشِر من قبل، في أجزاء

المقدمة / 5

متفرقة، وأزمنة مختلفة، على أيدي عدد من الباحثين الأفاضل.
وكان أسبقهم الدكتور سعود بن صالح العطيشان الذي حقّق قسمًا من كتاب الطهارة من نسخة الظاهرية في رسالته للماجستير سنة ١٤٠٣، ثم أكمل تحقيق سائر كتاب الطهارة، ونشرته مكتبة العبيكان بالرياض سنة ١٤١٢.
ثم حقّق الدكتور صالح بن محمد الحسن كتاب المناسك منه في رسالته للدكتوراه سنة ١٤٠٥، وطُبع في مكتبة الحرمين بالرياض سنة ١٤٠٩ في مجلدين، وطبع مرةً ثانية (مع كتاب الطهارة) في مكتبة العبيكان بالرياض سنة ١٤١٣ في ثلاثة مجلدات. وصدرت له طبعة ثالثة عن دار المنهاج بالرياض سنة ١٤٣٣ في مجلد ضخم.
وحقّق قسم الصيام الشيخ زائد بن أحمد النشيري، ونشرتْه دار الأنصاري سنة ١٤١٧ في مجلدين.
أما كتاب الصلاة، فحقق معظم الموجود منه الدكتور خالد بن علي بن محمد المشيقح، وطبعته دار العاصمة بالرياض سنة ١٤١٨ في مجلد كبير. وباب صفة الصلاة منه طبعته دار العاصمة أيضا بتحقيق الدكتور عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن حمود المشيقح سنة ١٤٢٩ في مجلد صغير.
وننوّه هنا أن لآل مشيقح فضلًا مضاعفًا في إحياء هذا الكتاب، فقد خدموه مرتين: مرة إذ تجشَّم الشيخ علي بن إبراهيم بن صالح بن حمود المشيقح (ت ١٤٢٨) ﵀ نقلَ الكتاب من نسخة الجُراعي التي كانت عند الشيخ فهد بن عبيد العبيد. ومرة أخرى إذ نهض بعضهم بتحقيق بعض أجزائه كما سلف. فالله يجزيهم جميعًا على حسن مسعاهم في الحفاظ على

المقدمة / 6

الكتاب وخدمته ونشره.
تبين مما سبق أن ما وصل إلينا من أجزاء الكتاب بدأ نشره سنة ١٤٠٩، وانتهى سنة ١٤٢٩. وكان بعض أقسام الكتاب قد حقق ضمن رسائل علمية، فاختلف منهجها عن منهج الأقسام الأخرى في التقديم والتعليق على الكتاب والفهارس.
وكان الشيخ العلامة بكر أبو زيد ﵀ يتمنى ــ وكلُّ محبّ لتراث شيخ الإسلام ــ لو صدر الكتاب كلُّه مجتمعًا على نسق واحد، ومحقَّقًا على منهج واحد، فأدرج ضمن خطة مشروع آثار شيخ الإسلام وما لحقها من أعمال. وصح العزمُ على إخراجه في خطة هذا العام ١٤٣٥، فخططنا لتحقيقه على طريقة موحّدة، واقتسمه ثلاثة باحثين.
ومن المؤسف أن ستًّا وعشرين سنة مضت على صدور المجلد الأول من هذا الكتاب، ولكن لم يُعثر في هذه المدة على شيء من القسم المفقود، ولا على نسخة جديدة من المتيسر الموجود؛ اللهم إلا قطعة من أول كتاب الصلاة تقابل ٢٨ ورقة من نسخة الظاهرية، وقطعة جديدة من باب صلاة الخوف تنشر لأول مرة في هذه الطبعة، وقطعة في ورقتين من كتاب الصيام. وقد نمى إلينا خبر وجود كتاب الزكاة في إحدى المكتبات الخاصة بالرياض، وأن الشيخ عبد الله بن عقيل (ت ١٤٣٢) ﵀ قد اطلع على هذه القطعة ونقل منها، وما زلنا نبحث عمن يفيدنا بخبر عنها تأكيدًا أو نفيًا. ثم رأينا أخيرًا ورقة بخط الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ﵀ يذكر فيها أن في مكتبة الشامسي بالشارقة مجلدًا من شرح العمدة لشيخ الإسلام. ولا ندري من خبر هذا المجلد إلا هذه الإشارة، وقد سألنا عن مكتبة الشامسي

المقدمة / 7

فلم نعثر على خبر عنها حتى الآن، فلعلّ قابل الأيام تكشف لنا من خبر نسخ هذا الكتاب ما كان خافيًا.
ونسخة الظاهرية التي تحوي كتاب الطهارة وقسمًا من كتاب الصلاة مشحونة بالأغلاط والأسقاط، وتحقيق الكتاب عن نسخة فريدة ــ ولا سيما إذا كانت كما وصفت ــ مدحضة وأي مدحضة! ونسختا الأقسام الأخرى أحسن حالًا من نسخة الظاهرية، ولكنهما منسوختان من أصل واحد، فكأنهما نسخة فريدة أيضًا.
ونقول هنا اعترافًا بالفضل للسابق: إن الطبعة السابقة التي أخرجها من سبقنا من الفضلاء عن النسخ المذكورة هي الخطوة الأولى في إخراج الكتاب، وكانت بلا شكّ خطوة مباركة مشكورة. وطبعتنا هذه خطوة ثانية، استفادت من الجهود السابقة، وصححت كثيرًا من التصحيفات والتحريفات التي فاتهم تصحيحها، وخالفت كثيرًا من قراءاتها، واستدركَتْ ما سقط منها من ألفاظ وعبارات في مواضع ليست بالقليلة. والقطعة التي عثرنا عليها من كتاب الصلاة كشفت عن تحريف عجيب في نسخة الظاهرية، إلى أخطاء أخرى، منها ورود بعض الفقرات في غير مكانها الصحيح.
وقد بذل المشتركون في هذا العمل ما في وسعهم تحقيقًا وتخريجًا ومراجعة، فإليهم جميعًا يرجع الفضل ــ بعد توفيق الله ﷿ ــ فيما حظيت به هذه الطبعة من الصحة والإتقان. فشكر الله سعيهم، وأجزل مثوبتهم.
ومع كل ذلك، لا نظنّ أن طبعتنا قد خلت من الوهم والغلط، فذلك ما لا سبيل إليه، ولا مطمَع فيه، إذ لم يكن بين يدي المحقّق إلا نسخة فريدة، ولا سيما مثل نسخة الظاهرية. وكلّ ما نرجوه أن تكون طبعتنا هذه ــ بعد ما

المقدمة / 8

بُذِل فيها من جهد جهيد مضموم إلى الجهد السابق ــ أقرب إلى الصحة. ونحن نعلم أنه قد بقي في الكتاب خلل كثير لم تقو عليه يدُ الإصلاح، ومنه ما يحتاج تقويمه إلى بصر نافذ، ومنه ما لا يكشف عنه إلا العثور على نسخة جديدة جيدة. ونرجو الله أن يقيِّض لنا ولهذه الطبعة من الكتاب ناقدًا بصيرًا وقارئًا حصيفًا، يبين لنا ما خفي علينا، وينبهنا على ما غفلنا عنه من وجوه الصواب، متفضلًا مشكورًا.
وننوه بجهود الأخ الشيخ نبيل بن نصّار السِّندي الباحث في المشروع، الذي لم يقتصر عمله على تخريج أحاديث كتاب الحج وآثار كتاب الصوم وصنعِ بعض الفهارس، بل قرأ الكتاب كاملًا قراءة دقيقة وأفاد في تصحيحه في مواضع عديدة. كما شارك الأخ الفاضل عبد القادر محمد جلال في تخريج طائفة من أحاديث كتابي الطهارة والصلاة.
وقد تفضل الدكتور عبد الله المنيف بالمساعدة في تصوير قطعة من الكتاب في مكتبة الملك فهد الوطنية، وكذلك الأخ الشيخ سامي جاد الله إذ أرسل إلينا قطعة من الكتاب في شرح باب صلاة الخوف. وهي قطعة جديدة لم تنشر من قبل، عثر عليها ضمن أحد المجاميع العمرية. وتفضل الأخ الكريم محمد العتيبي بالمساعدة في تصوير ورقات من كتاب الصوم كانت محفوظة في مكتبة وزارة الأوقاف بالكويت، فجزاهم الله خير الجزاء.
وقد تولّى الأخ خالد محمد جاب الله صف الكتاب وإخراجه، وصنع فهارس الآيات والأحاديث والأعلام، فله الشكر منا والتقدير.
وندلف الآن إلى مباحث التعريف بالكتاب:

المقدمة / 9

كتاب «العمدة» وشروحه
للإمام موفق الدين ابن قدامة (ت ٦٢٠) ثلاثة كتب في الفقه الحنبلي هي من المتون المعتمدة في المذهب. وقد راعى في تأليفها طبقات القراء والدارسين:
١ - «العمدة» للمبتدئين، على رواية واحدة في المذهب.
٢ - ثم «المقنع» لمن ارتفع عن درجتهم، فعدّد فيه الرواية، وجرَّده من الدليل، ليتمرن المتفقه على الاجتهاد في المذهب، وعلى التصحيح، والبحث عن الدليل.
٣ - ثم «الكافي» للمتوسطين، بناه على رواية واحدة مقرونة بالدليل، وذكر في مواضع تعدُّدَ الرواية في المذهب للتمرن (^١).
ثم ألَّف كتابه الكبير «المغني في شرح مختصر الخرقي» الذي ذكر فيه الدليل، والخلاف في المذهب، والخلاف العالي، وعِلَل الأحكام، ومآخذ الخلاف وثمرته، ليفتح للفقيه باب الاجتهاد في الفقهيات.
أما كتاب «العمدة» (^٢) فيتميز بسهولة العبارة، حتى صار عمدة الشيوخ في تلقين المبتدئين، وهذا مقصد مؤلفه كما ذكره في خطبته. وقد صدَّر كلّ

(^١). انظر «المدخل المفصل» للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (٢/ ٧١٩).
(^٢). ذكره صاحب «كشف الظنون» (٢/ ١١٦٤) بعنوان «عمدة الأحكام في الفروع»، وقال: «هو مختصر في العبادات الخمس»، ووفاة مؤلفه «سنة ٦٦٠». وكلها معلومات خاطئة. ولم يذكر من شروحه شيئًا.

المقدمة / 10

باب منه بحديث صحيح، فقال: «وأودعتُه أحاديث صحيحة تبركًا بها واعتمادًا عليها، وجعلتُها من الصحاح لأستغني عن نسبتها إليها». وأتبعَ ذلك بالقول المعتمد عنده على سبيل الاستنباط من ذلك الحديث. وفي ذلك فوائد عديدة لا تخفى، منها: توجيه المتفقه إلى الدليل، وتمرينه على الاستنباط منه، وبعثُ همته إلى طلب الحديث ودراسته. ويمتاز متن «العمدة» بعرض المسائل الفقهية في الأبواب، وترتيبها ترتيبًا منطقيًّا، فيبدأ بالأصول، ثم يُتبعها بالمسائل المبنية عليها.
وبسبب سهولة عبارته وخفّة محمله واختياره للقول المعتمد في المذهب، عكف العلماء والطلّاب على حفظه ومدارسته، وألَّفُوا عليه شروحًا عديدة في القديم والحديث، منها ما وصل إلينا وطبع ونُشِر، ومنها ما لم نعرف عن وجوده في المكتبات. وأشهر هذه الشروح وأهمُّها شرح شيخ الإسلام هذا الذي بين أيدينا. يقول الشيخ بكر ﵀: «متنٌ مؤلفه ابن قدامة، ويشرحه ابن تيمية، قد نال الشرفين متنًا وشرحًا، فهو حقيقٌ بعناية المعلمين والمتعلمين» (^١). وفيما يلي ذِكر بقية الشروح:
١ - «العدَّة شرح العمدة» لبهاء الدين المقدسي (ت ٦٢٤)، وهو أول من شَرحه، والمؤلف من تلاميذ الموفق. وشرحه هذا مطبوع ومتداول بين أهل العلم، سلك فيه مسلك الاختصار، وعُني بذكر الدليل والتعليل، وقد يذكر الخلاف بين العلماء واختلاف الروايات في المذهب، ويذكر بعض المسائل والفروع التي لم يذكرها الموفق.

(^١). «المدخل المفصل» (٢/ ٧٢١).

المقدمة / 11

٢ - «شرح العمدة» لعبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي (ت ٧٣٩). ذكره المترجمون له ووصفوه بأنه مجلدان (^١). ولم نعرف عن وجوده في المكتبات شيئًا.
٣ - «شرح العمدة» لعلاء الدين علي بن محمد البغدادي الدمشقي (ت ٩٠٠) (^٢).
٤ - «شرح العمدة» للشيخ محمد بن علي الحركان (ت ١٤٠٣)، لم يكمله، فقد بلغ فيه إلى كتاب الأيمان والنذور. وصفه الشيخ البسَّام (^٣) بأن المؤلف حقَّق فيه ودقَّق بتحليل جُمَله، وعزو أحكامه إلى أدلتها، وبيان ما في المسألة من خلاف مع ذكر الصواب، وبيان المشهور من المذهب.
٥ - علَّق عليه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسّام (ت ١٤٢٣)، وطبع في مكتبة النهضة الحديثة بمكة المكرمة سنة ١٣٧٩. ذكر المؤلف في مقدمته أنه وضع عليه هذه الحاشية لفكّ بعض ما يعسُر فهمه على الطالب، أو ردِّ بعض الأحكام إلى دليل أو تعليل، مع ذكر بعض الفوائد اللازمة. وهي حواشٍ مختصرة وتعليقات مقتضبة، وليست شرحًا على الكتاب كله. وهو مطبوع مرارًا.

(^١). «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (٤/ ٤٢٩) و«شذرات الذهب» (٦/ ١٢١).
(^٢). ورد ذكره في «المدخل» (٢/ ٧٢١)، «السحب الوابلة» (٢/ ٧٦١). وقد نقل من الضوء اللامع، وذكره ساقط من مطبوعة الضوء.
(^٣). في مقدمة شرحه «للعمدة» (ص ٤).

المقدمة / 12

٦ - «الوردة شرح العمدة» للشيخ عبد الكريم بن إبراهيم الغضية، نشرته دار الخضيري بالمدينة المنورة سنة ١٤١٨. طبع الجزء الأول منه من أول الكتاب إلى آخر باب العقيقة.
٧ - «وبل الغمامة بشرح عمدة الفقه لابن قدامة» للشيخ عبد الله بن محمد الطيار، أصله دروس أسبوعية وشهرية بدأ بها من سنة ١٤٠١، وقد نشر هذا الشرح كاملًا في ثمانية مجلدات، وطبعته دار الوطن بالرياض.
٨ - «شرح عمدة الفقه» للشيخ عبد الله بن عبد العزيز الجبرين، طبع كاملًا في ثلاثة مجلدات، وآخر طبعاته الطبعة السابعة من مكتبة الرشد بالرياض سنة ١٤٣٣.

المقدمة / 13

عنوان الكتاب وتوثيق نسبته إلى المؤلف وتاريخ تأليفه
ورد ذكر هذا الكتاب ضمن مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية في عامة المصادر التي ترجمت له باسم «شرح العمدة»، ووصفَتْه بأنه أربع مجلدات. وأول من ذكره تلميذه ابن رُشَيِّق (٧٤٩) (^١)، وتابعه على ذلك ابن عبد الهادي (٧٤٤) في «العقود الدرية» (^٢)، والصفدي (٧٦٤) في «أعيان العصر» و«الوافي بالوفيات»، وابن شاكر الكتبي (٧٦٤) في «فوات الوفيات»، وابن رجب (٧٩٥) في «ذيل طبقات الحنابلة»، والعُليمي (٩٢٨) في «المنهج الأحمد» و«الدر المنضّد» (^٣)، وغيرهم.
ويوجد هذا العنوان على جميع النسخ الخطية التي وصلتنا من الكتاب، كما سيأتي في وصفها.
ونقَلَ عن الكتاب جمعٌ من المؤلفين وسمَّوه «شرح العمدة»، وجميع النصوص المقتبسة منه موجودةٌ في الكتاب الذي بين أيدينا، إلّا ما يتعلق بالقسم الضائع منه. وهذا مما يوثِّق نسبة الكتاب إلى شيخ الإسلام. وسيأتي فيما بعد ذكر مَن نقل عنه.
ويوجد بداخل الكتاب شواهد تدلُّ على أنه من تأليف شيخ الإسلام،

(^١). في «أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية» ضمن «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص ٣٠٥). وقد طبعت من قبل منسوبة إلى ابن القيم، وهو خطأ.
(^٢). (ص ٥٨).
(^٣). ذكرنا نصوص هذه المصادر في «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص ٣٥٧، ٣٨٠، ٣٩٤، ٤٨٣، ٦١٠، ٦١٩).

المقدمة / 14

فقد ذكر جدَّه مجدَ الدين أبا البركات ابن تيمية في عدة مواضع، ونقل عنه أقواله واختياراته. قال في موضع (٢/ ٥٣١): «اختار جدّي ﵀: إن تضرّر بنزول أو لم يكن له من يُنزِله، فإنه يصلّي على الدابة. وإن لم يتضرَّر فهو كالصحيح». وفي موضع آخر (٢/ ٦٠٨) ذكره بكنيته فقال: «وقال جدي أبو البركات: ما فعل مع الشك كما فعل بغير نية فلا يعتدّ به، ويكون زيادةً في الصلاة ...». وفي موضع ثالث (٤/ ٢٧): «وهذه طريقة القاضي أخيرًا وابن عقيل وجدي وغيرهم». ونقل عنه في مواضع أخرى في (٣/ ٢٢، ١٥٧).
أما تاريخ تأليفه ففي الكتاب قرائن تدلُّ على أن شيخ الإسلام ألَّفه في أواخر العشرينيات أو أوائل الثلاثينيات من عمره، وعلى ذلك شواهد التمسناها من داخل الكتاب، فمنها أنه ذكر فيه «منسكًا» برواية المرُّوذي عن الإمام أحمد يحتوي على أدعية كثيرة في مقامات مختلفة من المشاعر، وكان الشيخ قد كتب منسكًا قديمًا ذَكَر فيه مثل هذه الأدعية، فقد قال في «منسكه» الجديد ضمن «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٩٨): «كنتُ قد كتبتُ منسكًا في أوائل عمري، فذكرتُ فيه أدعيةً كثيرةً، وقلَّدتُ في الأحكام مَن اتبعتُه قبلي من العلماء. وكتبتُ في هذا (أي المنسك الجديد) ما تبيَّن لي من سنة رسول الله ﷺ مختصرًا مبيَّنًا».
وواضحٌ من هذا الكتاب متابعته ما ذكره علماء المذهب الحنبلي الذين يشير إليهم بقوله: «أصحابنا»، وإيراده للأدعية الكثيرة المرتّبة في كتاب الحج، التي حَذَفَ أكثرها في المنسك الجديد، مما يدلُّ على أنه ألَّف هذا الكتاب أيضًا في زمن متقدم من عمره.
ومما يؤكِّدُ ذلك أنه لم يُشِر فيما وقفنا عليه من الكتاب إلى أيّ كتاب أو

المقدمة / 15

رسالة أو فتوى له سابقة، ولم يذكر أنه بحث هذه المسألة أو تلك في موضع آخر، كما هو دأبه في كتبه التي ألَّفها بمصر (بين ٧٠٥ - ٧١٢) أو بعد رجوعه إلى الشام حيث استقرّ فيها إلى آخر حياته.
ويبدو لنا من خلال بعض القرائن أنه ألَّفه بعد رجوعه من الحج (سنة ٦٩٢)، فإن فيه ذكر مشاهداتٍ في أماكن الحج، وليست منقولة عن كتاب، بل فيه تسجيل معلومات تخالف ما في الكتب المدوَّنة. وإليك بعض النصوص التي تستوقف القارئ والباحث، وتشهد لما أشرنا إليه:
قال بعدما وصف المسعى بما هو مدوَّن في الكتب: «هكذا في كثير من الكتب المصنَّفة، لأنه كذلك في ذلك الوقت. واليوم هي أربعة أميال: ميلان متقابلان أحمران أو أخضران عليهما كتابة، ثم ميلان أخضران. والدار المذكورة [أي دار العباس] هي اليوم خَرِبة، لكن الأعلام ظاهرة معلَّقة، لا يدرس عَلَمها». (٥/ ١٩٤).
وذكر المكان الذي كان يُرى منه الكعبة قديمًا، وعقَّب عليه بقوله: «فأما اليوم فإن البيت لا يُرى إلى أن يدخل الرجل المسجد». (٥/ ١٤٦).
ووَصَف الجُحْفة وقال: «وهي قرية قديمة، وهي اليوم خراب، وبها أثر الحمّام التي دخلها ابن عباس وهو محرم. وقد صار الناس لأجل خرابها يُحرِمون قبلها من رابغ، لأجل أن بها الماء للاغتسال» (٤/ ١٨٧).
وذكر بعض الأمور المخالفة للسنة التي وقع فيها الناس في زمنه فيما يتعلق بالوقوف بعرفة، فقال: «وقد أعرض جمهور الناس في زماننا عن أكثر هذه السنن، فيوافون عرفة من أول النهار، وربما دخلها كثير منهم ليلًا وبات بها وأوقد النيران بها، وهذا بدعة وخلاف للسنة. ويتركون إتيان نمرة

المقدمة / 16

والنزول بها ... ولا يجمعون الصلاتين ببطن عرنة بالمسجد هناك، ولا يعجلون الوقوف الذي هو الركوب وشدُّ الأحمال، بل يخلطون موضع النزول أول النهار بموضع الصلاة والخطبة بموضع الوقوف. ويتخذون الموقف سوقًا، وإنما كانت الأسواق بين الحرم والموقف ...» (٥/ ٢٢٧، ٢٢٨).
هذه النصوص تشير إلى مشاهدات شخصية تدل أن الشيخ ألَّف الكتاب بعد رجوعه من الحج، أي بعد سنة ٦٩٢.
وأيضًا فإن أسلوبه في ذِكْر روايات الإمام وأقوال الأصحاب يوافق أسلوب ما ألَّفه في هذه المدة من كُتب قبل سنة ٧٠٠، مثل «الصارم المسلول على شاتم الرسول» و«بيان الدليل على إبطال التحليل» و«المسوَّدة» و«اقتضاء الصراط المستقيم» وغيرها.
ومما يدلُّ على أنه ألَّف هذا الكتاب في المدة المشار إليها: ترجيحه في «الفتاوى» فيما بعد غير ما قرَّره هنا، والأمثلة على ذلك عديدة منها: ترجيحه لعدم وجوب العمرة في «الفتاوى» (٢٦/ ٥ - ٧) على خلاف ما قرَّره هنا واحتج لوجوبها (٤/ ١٣ وما بعدها).
وقد يقول قائل: إن الشيخ أراد في هذا الكتاب الاحتجاج للمذهب، وخدمة فقه الحنابلة وطلاب المذهب دون ذكر الأقوال الأخرى في المسألة ولا الاحتجاج لها والترجيح، فكونه خالف في كتب أخرى ما قرّره هنا لا يدلّ على رجوعه بقدر ما يدلّ على اختلاف منهج الكتابين، والهدف من تأليفهما (^١).

(^١) وهذا الوجه من النظر في الكتاب يفيد في مسألة اختيارات الشيخ، وعدم عدّ ما ذكره في هذا الكتاب اختيارًا قديمًا حتى لو خالفه في كتبه الأخرى المتأخرة؛ لأنه هنا لم يكن إلا مقرّرًا وشارحًا للمذهب لا يخرج عنه.

المقدمة / 17

فنقول: هذا النظر معتبر من هذه الجهة، لكنه مجرد احتمال لو سُلِّم، فإنه لا يجيب عن القرائن الأخرى التي ذكرناها. إضافة إلى أنه لا مانع من هذا الاحتمال إلا أن المدة التي ألف فيها متقدمة وكان الشيخ يميل فيها إلى هذا اللون من التأليف، ثم إنه لما بلغ رتبة الاجتهاد عدل عنه، فلم يعد يدرّس المذهب ولا عاد يلتزمه في فتاويه، وقد عبّر عن ذلك الذهبي ﵀ فقال: «وبقي عدة سنين يفتي باجتهاده ولا يتقيد بمذهب». والله أعلم.

المقدمة / 18

القدر المشروح من «العمدة»
سبقت الإشارة إلى أن الكتاب في أربعة مجلدات، وصرَّح ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (ص ٥٨) أنه شرح فيه قطعة من كتاب العمدة في الفقه للشيخ موفق الدين، وكذا ذكر المرداوي في مقدمة «الإنصاف» (١/ ٢٤): «قطعة من شرح العمدة» للشيخ تقي الدين.
ويستفاد منه أن الشيخ لم يشرح «العمدة» كاملًا، واقتصر على تأليف أربعة مجلدات منه. ثم وجدنا في «الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب (٤/ ٥٢٢ - تحقيق العثيمين) تعليقًا نقله المحقق من إحدى نسخ الكتاب، فقال: جاء في هامش نسخة (ب) ما يلي: «يقول كاتب هذه الأحرف الفقير عبد الله الطلباني (^١): بل ثمان مجلدات استنسخها والدي، وكانت عنده، ثم استوليتُ عليها بعد وفاته بقريب ثمان سنين بعد (كذا، ولعل الصواب: بقي) منها سبعة، والثامن كان موقوفًا بعد والدي على أولاده، فكان تحت يد أخي طلحة، لأنه كان الأرشد، ولكن لم يكن بدمشق ــ أظنّ ــ ولا في غيرها أكثر من أربعة إلّا عندنا. فإن الذي كتبها لوالدي تتبَّعها من كراريس وأوراق متفرقة بالقاهرة بخط الشيخ تقي الدين، وقد اندرست أماكن كثيرة من الخط، فكان في المجلدات الأواخر من نسختنا بياضات، كثيرة في بعض الأماكن في الصفحة الواحدة عليه (كذا، ولعل الصواب: عدّة) بياضات. وإنما ذكرتُ ذلك لتحقيق الثمان مجلدات (كذا). ولهذا الكلام بسطٌ وإيضاح لا يليق بهذا الهامش، أذكره إن شاء الله في غيره».

(^١). لم نجد ترجمته ولا ترجمة أبيه وأخيه في المصادر.

المقدمة / 19

نقول: هذا التعليق يفيد أنه كان هناك نسخة من الكتاب في ثمان مجلدات، وأن الذي نسخها كان قد تتبَّعها من كراريس وأوراق متفرقة بالقاهرة بخط الشيخ تقي الدين، وأن النسخة الكاملة منه لم تكن توجد في دمشق ولا في غيرها إلا عند الطلباني.
ولكنه لا يدلُّ على نهاية القدر المشروح من «العمدة»، ولا على أن المؤلف شرح ما بعد كتاب الحج. بل البياضات الكثيرة التي كانت في المجلدات الأواخر من تلك النسخة (كما ذكر المعلِّق) يوجد مثلُها في شرح كتاب الحج في المجلد الرابع من نسخة (س) والمجلدين الخامس والسادس من نسخة (ق)، مما يفيد أن عدد المجلدات في النسخ كان مختلفًا، فبعضها كانت أربع مجلدات كما أشار إليه ابن رجب وغيره، وبعضها كانت ست مجلدات كما في نسخة الجُراعي التي سيأتي وصفها، وبعضها كانت ثمان مجلدات كما ذكره الطلباني. وجميع النقول من الكتاب في الكتب المتأخرة تتعلق بالطهارة وأبواب العبادات، كما سيأتي (^١).
هذا ما يتعلق بالقدر الذي ألَّفه الشيخ. أما ما وصلنا من الكتاب فيحوي: كتاب الطهارة، وبعض أبواب كتاب الصلاة، وكتاب الصيام، وكتاب الحج. ولم يصلنا شرح كتاب الزكاة وأبوابٍ كثيرة من كتاب الصلاة، ولعلّ ما فُقِد منه يقارب نصف الكتاب أو أقل بقليل، والله أعلم.

(^١). يوجد في «الإنصاف» (باب الصلح) ٥/ ١٨٩، ١٩٠ نقلٌ عن «شرح العمدة»، وهو ضمن كتاب الصلاة هنا (٢/ ٤٨٨). وذكر مرة في كتاب الصيام (٣/ ٢٢٩) أنه سيأتي استكمال الكلام على المسألة في كتاب العتق، ولعل هذا ما كان يأمله ولم يتم.

المقدمة / 20

ومن لطيف الاتفاق أن الشيخ اقتصر على شرح أبواب العبادات في «شرح العمدة»، وفي كتابه الآخر ــ المفقود حتى الآن ــ «شرح المحرر» اقتصر على أبواب البيوع والنكاح وأدب القاضي، كما تدلُّ عليه النصوص المقتبسة منه في «الإنصاف» (^١). وشرحه (أو تعليقته) على «المحرر» كان في عدة مجلدات، ولم يبيَّض، كما في مصادر ترجمته (^٢). ولو وُجد الكتابان بتمامهما لاطلعنا على شرحه لأبواب العبادات والمعاملات جميعًا على طريقة الفقه المذهبي. وقد فتّشنا عنهما في فهارس المكتبات في العالم فلم نجد إلا هذه الأجزاء التي ننشرها من «شرح العمدة». ولعل الله يُحدِث بعد ذلك أمرًا.

(^١). ينظر (٤/ ٢٠٠، ٢٣٨، ٢٤٠، ٣٠٨)، (٨/ ٢١، ٢٢، ١٦١)، (١١/ ٢٢٢).
(^٢). انظر «العقود الدرية» (ص ٥٨) و«الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص ٣٥٧، ٣٨٠، ٣٩٤، ٤٨٣، ٦١٠، ٦١٩).

المقدمة / 21

منهج المؤلف فيه
ذكر المؤلف في مقدمته أن بعض أصحابه طلب منه شرح «العمدة» شرحًا يُفسِّر مسائلها، ويُقرِّب دلائلها، ويُفرِّع قواعدها، ويُتمّ مقاصدها، متوسِّطًا بين الإيجاز والإطناب، والإخلال والإسهاب. فاستجاب له، وحقَّق رغبته، واتخذ منهجًا واضحًا في الكتاب من أوله إلى آخره، يمكن إيجازه فيما يلي:
١ - يبدأ بقوله: «مسألة»، ويقتبس جزءًا من متن «العمدة» يحتوي على مسألة واحدة أو عدة مسائل، ثم يشرحها في فصل أو عدة فصول.
٢ - يهتم عند الشرح بتوضيح المسألة وذكر أدلتها من الكتاب والسنة والإجماع، ويفصّل القول في ذلك.
٣ - إذا كان في المسألة روايةٌ أو روايات متعددة عن الإمام أحمد يذكرها، كما يذكر الخلاف بين الأصحاب وينقل أقوالهم من كتب المذهب مع التعليل والتوجيه. ولا يذكر آراء المذاهب الأخرى إلّا نادرًا في أثناء ذكر الخلاف في المسألة عند الأصحاب.
٤ - يقوم بترجيح قول على قول، وبيان أنه الصواب أو المشهور أو الظاهر أو المنصور أو المذهب أو قياس المذهب، مع ذكر الدليل والتعليل. ويطيل أحيانًا في مناقشة أدلة كل قول، وتضعيف القول المرجوح، وتغليط بعض الروايات والحكايات.
٥ - لا يقتصر على شرح المسائل المذكورة في المتن، بل يذكر كثيرًا من الفروع والجزئيات التي لها علاقة بالباب، مستندًا إلى أقوال الإمام والأصحاب، ذاكرًا الدليل والتعليل.

المقدمة / 22

٦ - حين يستدل يذكر مجموعةً من الأحاديث والآثار باختلاف الطرق والألفاظ، مع عزوها إلى المصادر والكلام عليها تصحيحًا وتضعيفًا. وخاصةً إذا كانت المسألة قد كثر فيها النزاع وطال حولها الجدل.
٧ - يهتم الشيخ بشرح الكلمات شرحًا لغويًّا في بداية الكتب والأبواب عادةً، وفي أثنائها إذا تطلَّب الأمر ذلك، ويذكر المعنى اللغوي والاصطلاحي، ويستشهد بالشعر وبأقوال اللغويين القدامى، ويسترسل أحيانًا في ذلك (^١).
٨ - يهتم عند شرح المسألة بذكر الأصول والقواعد والكليات التي تندرج تحتها تلك المسألة وغيرها من مسائل الباب، وتخرَّج عليها جزئيات كثيرة.
٩ - يذكر أحيانًا الفروق بين المسائل المتشابهة، ويبيِّن وجه الفرق فيها.
١٠ - لا يُخلي شرحه من بيان الحِكم والمقاصد المرعية في الأحكام والمسائل.
هذه بعض الجوانب البارزة من منهج المؤلف في الكتاب، نلاحظها من أوله إلى آخره، ويطول بنا القول لو ذكرنا أمثلة لها، فالكتاب بين يدي القارئ يجد شواهدها ماثلةً أمامه. والمنهج الذي سار عليه المؤلف يدل

(^١). انظر على سبيل المثال شرح «الصلاة» (٢/ ٣ - ١٠) و«الأعطان» (٢/ ٤٧٥ - ٤٧٨) و«اشتمال الصماء» (٢/ ٣٥٨ - ٣٦١) و«لبيك» (٤/ ٤١١ - ٤١٤).

المقدمة / 23