Silsilat al-īmān waʾl-kufr
سلسلة الإيمان والكفر
Genres
•Salafism and Wahhabism
Regions
Egypt
سمات الإقرار التفصيلي المرتبط بأصل الدين
الإقرار التفصيلي المرتبط بأصل الدين يتسم بالسمات الآتية: أولًا: النسبية: قد يصح الخبر لدى مكلف ولا يصح لدى آخر، أو يصح عند هذا الثاني، ولكن يكون عنده من الأخبار الأخرى ما يعارضه، فيجب على الأول من الإيمان به والإذعان له ما لا يجب على الثاني، وليس بالضرورة أن يكون هذا الثاني مصيبًا، أو أن يكون مأجورًا؛ فقد يكون مخطئًا، وقد يكون آثمًا بتقصيره في النظر أو في طلب العلم من مظانه وعلى يد أهله، ولكننا نتحدث فقط عن ثبوت أصل الدين وانخرامه.
فأصل الدين التصديق والانقياد، ويخرم ذلك التكذيب أو الرد -الرفض-، ولكن يشترط لانخرامه: أن يصح الخبر لدى المكلف سالمًا من المعارض، أي: أن يرده بغير تأويل، فإن رده بغير تأويل هل يكفر بذلك؟
الجواب
لم يكفر أهل السنة المعتزلة وإن لم يقروا -مثلًا- باعتقاد رؤية الله ﵎ في الآخرة، والذي ثبت بأحاديث متواترة، لكنهم هم لا يثبتون تواترها، ما من شك أن التكذيب بمثل هذه الأخبار قد لا ينفك عن الإثم، لكن الكلام عن زوال عقد الإسلام وانخرامه وخروج الإنسان من الإسلام بشيء من ذلك.
فيشترط لانخرام عقد الإسلام أن يصح الخبر لدى المكلف سالمًا من المعارض فيرده بغير تأويل.
والخوارج كذبوا أحاديث الشفاعة وهي متواترة، وكذبوا بالرجم وهو أيضًا متواتر، فهم لا يقرون بتواتره، بل يتأولون في ذلك، بل ربما يطعنون في رواتها من الصحابة، أو يكفرونهم والعياذ بالله! فالمقصود: أن هذا ليس ردًا لكلام الرسول ﷺ، وإنما يكون من باب الطعن في الرواة، أو تأويل مثل هذه الأحاديث، فإن كذب المرء بما لم يصح عنده فلا يكفر، وعندنا شيوخ مشهورون ويشار إليهم بالبنان ويكذبون أحاديث رسول الله ﵌، فهل يحكم عليهم بالكفر؟ الجواب: لا يحكم عليهم بالكفر؛ لأنه لا يقصد تكذيب رسول الله ﵌، بل يوجه طعنه إلى رواة الأحاديث، وبغض النظر هل هو آثم في هذا أو معتدٍ؟ هذه قضية أخرى، لكن الكلام في أن الشخص إن كذب بما لا يصح عنده لا يعتبر مكذبًا لرسول الله ﵌، وإنما هو مكذب لمن نقلوا إليه خبره، فلا ينخرم بذلك إيمانه المجمل، وهو باقٍ على أصله، فإن رد إنسان دلالة لفظ بتأويل فاسد فهو لم يرد على رسول الله ﵌ أمره، وإنما تعلق بما ظنه التأويل الصحيح لأمره ﵌ اعتمادًا على دلالات نصوص أخرى، وعلى هذا الأساس لم يحكم السلف بكفر أصحاب الأهواء رغم ما ورد بشأنهم من الوعيد الغليظ عذرًا لهم في التأويل، واعتبارًا بما عندهم من الإيمان المجمل، اللهم إلا من كان منهم منافقًا في الباطن.
هذا فيما يتعلق بمسألة التصديق المجمل والالتزام المجمل.
وقد يحصل عدم تصديق أو تكذيب وعدم انقياد من إنسان، ولا يكفر بذلك؛ لأن هذا نشأ عن تأويل لا عن تكذيب للرسول ﵊ أو رد حكمه؛ لأنه لا يثبته أصلًا ولا يعترف أنه حكمه، أو يثبته لكنه يؤوله، فيأثم بذلك، وإن لم يعذر فهو يكون آثمًا مقصرًا في ذلك لكن لا يكفر بمجرد ذلك.
وأما بالنسبة للتبعض والزيادة والنقصان فهذا ليس شيئًا واحدًا متماثلًا في كافة المؤمنين، وإنما هو يتبعض ويتفاوت ويختلف من شخص إلى آخر بالنقصان والزيادة، وهذا التفاوت يكون إما بالكيف، كما ذكرنا تفاوت الناس في درجات التصديق، أو التفاوت في أعمال القلوب كالحب والخشية والإنابة والتوكل ونحوها، ومنها ما يتعلق بالكم كتفاوت التصديق والمعرفة التي في القلوب بتفاوت مقدار الإحاطة بأخبار الشريعة وأوامرها، فليس تصديق من صدق رسول الله ﷺ مجملًا مع علمه بقليل من أخباره كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته والجنة والنار وصدقه في ذلك كله، وليس من التزم طاعته مجملًا ومات بعد معرفة النزر اليسير من أوامره ﷺ كمن عاش حتى علم ذلك مفصلًا وأطاعه فيه.
أيضًا: هذا التصديق والانقياد التفصيلي لا يتوقف عليه ثبوت عقد الإسلام من البداية، وإنما يتوقف عليه استمرار هذا الحكم وعدم انقطاعه.
فهنا يحصل خلط -كما حصل من الكاتب- بين ما يجب تحققه من أصل الدين لثبوت عقد الإسلام، وبين ما يجب بعد ذلك لاستمرار الحكم بالإسلام وعدم انقطاعه.
فهناك ثمة فرق بين ثبوت عقد الإسلام وبين استمرار الحكم به وعدم انقطاعه، ففي الأول عند ثبوت عقد الإسلام نقبل الإجمال، وفي الثاني يحصل التفصيل النسبي وليس المطلق على ما بينا.
14 / 11