150

فقص عليه ما رآه فقال له: أسفت نفس الأمير إلى مكسب لا يشبه خطره ومحله. فدعا بإبراهيم بن قراطغان وكان من أحد ثقاته، ويتقلد صدقاته، فقال له: امض إلى أبي الحسن معمر، فخذ منه ثمن الكتان، وتصدق بجميعه، ففعل ذلك، وكان مالا واسعا.

حدث إسحاق بن إبراهيم قال: قلت لسعيد بن توفيل طبيب أحمد بن طولون وقد صار إلي بعد قدومه بيوم يسلم علي، ويشكو إلي ما عاناه من علة أحمد بن طولون، وكان يخدم أبي وعمي قبله: ويحك، أنت حاذق في صناعتك فاره

19

فيها، وليس لك عيب إلا أنك مدل بها، غير خاضع لمن تخدمه بها، والأمير وإن كان فصيح اللسان هو أعجمي الطبع، وليس يعرف أسباب الطب، ومقدار صناعته، فتدل فيها عليه

20

فيحتمل ذلك لمقدار محل الطب والحاذق فيه، وقد أفسده أيضا عليك إقباله، فالطف له وارفق به وداره، وخاطبه من حيث يشاء، واخدمه كما يختار، وواظب على أمره واحتمل شيئا إن جرى منه، فإن احتمالك يثنيه عما لعلك تنكره.

فقال لي: والله ما خدمتي له إلا كخدمة الفأر للسنور، والسخلة للذئب، وحذري منه كحذرهن، وإن قتلي لأحب إلي من صحبته؛ لأنه ينكر علي ما لا ينكر، ويخالف من علاجه ما ينفعه، ويسارع إلى ما أحذره منه وأنهاه عنه، فإذا حدث ما يكرهه نسبني إلى أني قصرت في علاجه وجعل الذنب لي. فقلت له: فأنت على هذا مرحوم، أعانك الله بلطفه.

فلما اشتدت علة أحمد بن طولون أرجف إسحاق بن كنداج وابن أبي الساج بموته وأذاعا [ذلك] وطمعا في الوثوب على أعماله التي تقرب منهما. وبلغ ذلك أحمد بن طولون فكتب إلى أنعج يأمره بالمصير إلى عبد الله بن الفتح ليعاضده، وكتب إلى ابن دعباش يأمره بمعاضدتهما إن احتاجا إليه، ووصاهم بأن تكون كلمتهم واحدة، وقلوبهم متفقة، وأمر بمضاربه فأخرجت إلى منية الأصبغ،

21

وأنفذ إلى الشام جيشا فيه خاقان ويلبق، وأقام في مضاربه نحوا من شهر، ونفذت بذلك الأخبار إلى ابن كنداج وابن أبي الساج فكف ذلك منهما طمعهما، ومنعهما مما كانا قد عزما عليه.

Unknown page