168

فتغطرست

53

لبقاء هذه الدولة بما ضبطتها به، وصنتها عما كانت قد أشرفت عليه من الزوال. وتأملت أمر غلمانه كلهم فما أحمدت أمر أحد منهم، وتأملت أمر أحمد بن طولون، رحمه الله، فوجدته قد حمل إلى إمامه المنفرد باصطناعه، مذ تقلد هذا البلد، ما كنت أرضى أن يحمل إلي بعضه لإصلاح ما أنا بسبيله، ولضيق الأمر وتعذر الأموال علي، فيما أعانيه ودفعت إليه، وناظرني بما إذا تأمله المتأمل المنصف علم أن عذره في خلعي، أوجب من عذري في لعنه، وما خرج إليه في أمري من انحرافه عني، أوجب مما خرجت إليه في أمره وفي انحرافي عنه، وإن كنت أظهر ذلك بلساني وقلبي ينكره ويعلم خطئي فيه، وعذره فيما يأتيه، وأئمتنا هؤلاء فهم فساد فيما بيننا وبين الناس، هذا المهتدي أشرت عليه أن يمرح [؟] في سيرة أبيه، وأعلمته أن الزمان الذي فسد بما أوجبه ما أجرى إليه من سوء التدبير بما يكون فيه المشقة المجحفة ... د غششته إني إنما أردت وقصدت الطعن على تدبيره ورأيه، وقد علم الله، جل اسمه، أني قد نصحته فضرب بيني وبين الناس، وعمل في أمري ما شاهدوه ونفاني عن حضرته، وركب خطأه وسوء تدبيره، فلم يزل يركض فيه حتى قتل أقبح قتلة فشمت به عدوه، واغتم به وليه وغم نفسه لاستبداده برأيه، وإن كان كل ما يجري فمن الله، جل اسمه، وقضاؤه ينفذ كما يشاء بسلب كل ذي لب لبه حتى تتم مشيئته، إلا أن مخالفة رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في ترك المشاورة خطأ، فأقمت، طول ما أقمت، هادئ القلب، آمن السرب، طيب النفس، غير مفكر إلا فيما عاد بأجري، وحمدته في عاقبتي إلى أن ردني أخي.

ولأحمد بن طولون، رحمه الله، أولاد عداد، وموال وعدد جم، لم يروا غير رياستهم، ولم يكن في جماعتهم من قلبه ممتلئ من هيبتنا غيره؛ لأنه ربي في خدمتنا، وشاهد قوة أمرنا وأحوالنا، فامتلأ من ذلك قلبه، وكبرت سطوتنا في عينه، وخلف الآن أموالا جمة عظيمة، لا يحوط جميعها من قليل وكثير إحصاء محص، ولا ضبط محتاط مكفي، وإذا اجتمع لمن يقوم مقامه من ولده قلة التهيب لنا، إذ لم يشاهد من أحوالنا ما قدمنا ذكره من مشاهدة أبيه من أمرنا، مع كثرة المال والأعراض والعدة الجليلة العظيمة والعدة الكثيرة الوافرة القوية، بالحال الجليلة والجمال والمال والشجاعة والإقدام، حسب ما اختصهم أبوهم، وانتخبهم واختارهم، وملأ أعينهم بما لا نتسمح نحن بمثله لكثير من أصحابنا فكيف غيره؟! فهم على ولده بذلك يحتاطون وفي ... بحالين؛ أحدهما المحافظة لما أتاه أبوهم فيهم من الجميل و... عليه من عظم الأحوال، وثانيه لأنهم تيقنوا أنهم لا يجدون مثله ولا مثل ولده أبدا؛ فلهذه الأحوال تعظم علينا نكايتهم معها، ويبعد علينا في ذلك مرامهم ويطرأ علينا منهم ما لعلنا أن نقصر عنه، وعن بلوغ المراد به؛ لأن الأنصار مع المال حيث كان، ولا سيما أنصار من أنصار، فإن بأيدينا من يقوم منهم كان خليقا بالغلبة، وإذا كان النصر لهم قدحت فينا عليه لنا قدحا عظيما وهدت منا ركنا كبيرا، وكنا مع ذلك قد اضطررناه إلى إتلاف الأموال التي تحتاج إليها المملكة المجاهدة عدوا إن تحرك، فإن كان انصر لنا عليه لم نجد بدا من أن نستخلف على بلدنا ونواحيه من هم كانوا لنا وللأعمال أصلح وأجود وأوثق وأحسن تدبيرا وأجمل حالا وسياسة فيما تقلده.

وكان بغية المتقلد بعد أحمد بن طولون، رحمه الله، وبعد تركته تحصيل الأموال وجمعها لنفسه واستئثاره بها وبجميع ما تنبسط يده إليه دوننا، ثم بعد ذلك تخريبه بلداننا، وإطلاقه نهبها وإخافة سرب أهلها، ودون فائدة للسلطان، ولا عائدة علينا، إلا ما تبسط به الألسن بالدعاء علينا والوزر لعلم في أعناقنا، وهو غير مفكر في ذلك وليس وكده إلا ما عاد لمحبيه، ثم أقبل يترحم على أحمد بن طولون ويبكي على فقده.

فقال علي بن يحيى بن أبي منصور: فقلت للموفق: ثبت الله عزم سيدي وسدد رأيه، وعوضه منه وحرس له ما منحه به، فهذا والله الرأي السديد والفهم الرشيد ولولا ما خصه ... قد قام الآن سيدي، أيده الله، عندما تبينته مما بينه لي الأمير، أيده الله، وشرحه من حال هذا الرجل، رحمه الله، وكشف منه ما كان عني مغطى وعن سائر الناس الذين لا يعلمون مقدار ما علمه الأمير، مد الله في عمره وبلغه أفضل آماله في دنياه وآخرته، والله بكرمه يهنيه ما خوله، ومن به من رياسته ويجعله عمادا لها بمنه وقدرته.

قال مؤلف هذا الكتاب: وجدت ثبتا

54

Unknown page