5

11

في بعض المواضع فأخذوه، ووقعت الصيحة، وجاء النذير إلى الطائفة التي فيها أحمد بن طولون .. فكان أول من انتدب، وحض على القتال والذهاب خلف الأعراب إلى حيث قصدوا، وسار يريدهم، فلما رآه الباقون اتبعوه، فكان أول من لحق بالأعراب، ووضع فيهم السيف ورمى بنفسه عليهم وحذفهم بالنشاب، وكان حسن الرمي لا يخطئ شيئا، فخلى الأعراب عن جميع ما أخذوه ونجوا بأنفسهم على خيولهم.

وكان فيما أخذه الأعراب البغل المحمل ذلك المتاع الذي لم يوصل إليه إلا بالحيلة، وكانت نفس الخادم قد كادت أن تخرج لذلك؛ خوفا على فوت ما أمله من جائزة أمير المؤمنين، ولما لحقه من التعب والمخاطرة قبل أن وصل إليه، ولما سلم سكن روعه ورجع إليه عقله بعد أن كاد يزول.

وعظم أحمد بن طولون في عينه وقلبه، وصار له كالعبد، وكبر في قلوب أهل القافلة، فلما وصلوا إلى العراق أحضر الخادم ذلك المتاع إلى المستعين، فاستحسنه وسر به كل السرور، فذكر له الخادم ما عاناه في أمره قبل الوصول إليه، وقال له: وأعظم ما جرى يا مولاي أنه لما حصل وسلم إلى طرسوس، وقفلت مع الناس، خرج علينا الأعراب فأخذوه، فلولا أن الله، جل اسمه، من علي بغلام من غلمان مولاي أمير المؤمنين يعرف بأحمد بن طولون؛ فإنه أول من انتدب وخرج إليهم، وحصله وجميع ما أخذوه، لقتلت نفسي أسفا على فواته.

فازداد به المستعين سرورا، وأمر في الوقت لأحمد بن طولون بألف دينار، وقال للخادم: امض أنت بها إليه سرا، وأقرئه مني السلام، وقل له عني: لولا خوفي من أن يعلم محله من قلبي فيحسد ويقتل لبلغته أفضل مراتب أمثاله، وإذا هو دخل إلي في المسلمين فأرنيه.

فأوصل إليه الخادم المال ، وعرفه الرسالة، فحمد الله، عز وجل، على ذلك.

فلما كان يوم السلام، ودخل مع الأولياء، غمز الخادم المستعين عليه حتى رآه، فأشار إليه المستعين بالسلام، ولم يزل يفعل ذلك كلما دخل إليه في المسلمين، ويوجه إليه بالصلة الوافرة في كل وقت، دفعة بعد دفعة، حتى حسنت حاله بذلك، ووهب له جارية اسمها مياس، فولدت له أبا الجيش في النصف من المحرم سنة خمسين ومائتين.

ولما كان من أمر المستعين ما كان من تنكر الأتراك عليه، واستقر الأمر بعد ذلك على أن يصير المعتز على الخلافة وينفى المستعين إلى واسط

12

مع رجل يختار له، يوثق بدينه وأمانته، وترضى به الأتراك، ويأمنه على نفسه، وقع اختيارهم على أحمد بن طولون، فسلم إليه ومضى به إلى واسط، وأحسن عشرة المستعين وشكر له ذلك الجميل في أمره، فأطلق له التنزه والصيد. وكره أحمد بن طولون أن يلحقه منه احتشام، فألزمه أحمد بن محمد الواسطي كاتبه، وكان يومئذ غلاما جريئا، حسن الشاهد، حاضر النادرة، فأنس به المستعين غاية الأنس، وشكر لأحمد بن طولون ما يأتيه في أمره، ولم يأل أحمد بن طولون حرصا في خدمة المستعين وتوفية حقه.

Unknown page