78

وما زال في الهيجاء أول فارس

له يضحك السيف المهند والرمح

فاستجادها أحمد بن طولون وأنفذت إليه، فلما قرأها ندم على ما كان من خطئه على نفسه حيث لم ينفعه، ولم يزل في حبس أحمد بن طولون حتى عمي ومات.

وكان قد أشرك بين علي بن الحسن بن شعيب المدايني وبين ابن الأطروش في الخراج، فوجدت لعلي بن شعيب رقعة إلى ابن مدبر يقول فيها بخطه: «قد علم الله، جل اسمه، زهدي في العمل الذي أتقلده، وكراهتي له، وخوفي منه، وأسأل الله، جل اسمه، أن يكفيك ما أهمك.» فأمر به أحمد بن طولون إلى المطبق فما زال فيه حتى مات، وأفرد ابن الأطروش بالخراج.

وكان أحمد بن إسماعيل بن عمار المعروف بسبع شعرات قد قدم إلى أحمد بن طولون من الشام فقلده الأملاك وما خرج عن الخراج، وصرف به الحسن بن سليمان بن ثابت، وتقدم إلى أحمد بن إسماعيل بمطالبة الحسن بما دفعه علي ابنه، فطالبه بذلك وضربه فمات في الضرب، ونحن نذكر خبره مفردا إن شاء الله.

وكان أحمد بن إسماعيل هذا قد أشار على أحمد بن طولون بمشورة فتعداها، فبسط لسانه فيه على جهة الإشفاق عليه، وقال: ليس هو ممن تمرن في الرياسة وفيه لجاج لا يؤمن عليه منه. فبلغ ذلك أحمد بن طولون فحبسه في المطبق، ومنع من كان يبسط عليه عائدته حتى مات.

وكل هذه الأحوال التي عددنا فالعذر فيها كلها بين لأحمد بن طولون، والذنب لمن يبسط لسانه في مثله ويتعدى إلى غير ما هو أهله.

وكان قد بقيت لأحمد بن طولون بقية كبيرة من خراج البلد على بعض المتقبلين ذهب عني اسمه فاستتر، وكان قبل استتاره قد عمد إلى ربع له نفيس يفي بما عليه من الخراج، وفضل حبسه على ولده وخرج عن البلد، ورفع خبره إلى أحمد بن طولون فطلب، فقيل له: قد هرب وفات وخرج عن البلد. فأحضر بكار بن قتيبة القاضي وقال له: صاحبك يقول بحل الحبس في الدين فتحل حبس هذا الهارب منا حتى نأخذ مال السلطان منه؟ فقال له بكار: لا تفعل ولا تستن سنة يستن بها فيك؛ لأن لك أوقافا على وجوه فإن حللت حلوا عنك. فتوقف عن ذلك وكف عنه وشكر لبكار مشورته عليه.

202

وأما رغبته كانت في أبواب البر التي كانت له فكانت ظاهرة بينة واضحة، بشهوة شديدة ونية صحيحة ؛ فمن ذلك بناء الجامع والبيمارستان

Unknown page