﴿آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا (٥٧) إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ يعني: محمدا ﷺ على ما أوتي من النبوة.
وفي قوله: ﴿جُلُودًا غَيْرَها﴾ قولان:
أحدهما: يخلق الله لهم جلودا جديدة ليذوقوا العذاب. والقول الثاني: غيّر الله صفات تلك الجلود المحترقة فرجعت كأن النار لم تمسها؛ إذ لا يعذب إلا الجلود التي عصي الله بها.
وقوله: ﴿بَدَّلْناهُمْ﴾ جعل تغير الصفات بمنزلة تغير الذات. تقول: جاء فلان بوجه غير الوجه الذي ذهب به، ومثل هذين القولين في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وفي كون الظل ظليلا وجهان: أحدهما: ظل مضاعف.
والثاني: ظل لا تنسخه شمس، بل هو دائم الثبوت لا يتغير.
لما فتح رسول الله ﷺ مكة طلب مفتاح الكعبة من عثمان بن أبي شيبة (^١) فأبى أن يعطيه فلوى عليّ يده، وأخذه منه قهرا، فلما قضى رسول الله ﷺ حاجته من الدخول في الكعبة سأل العباس رسول الله ﷺ أن يوليه السدانة (^٢) ويعطيه المفتاح، وقال: اجمع لي بين السدانة والسقاية، فأنزل الله ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ فأمر النبي ﷺ عليّا، فرد المفتاح إلى عثمان بن أبي شيبة، فقال: أخذت بقوة وآذيت ثم جئت ترده فقال: قد أنزل الله - تعالى - في شأنك هذه الآية، فقال: إن هذا لدين شريف فأسلم، وتقرر مفتاح الكعبة
(^١) هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسمه عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، حاجب البيت، أسلم في هدنة الحديبية، وهاجر مع خالد بن الوليد، وشهد الفتح مع النبي ﷺ وتوفي سنة ٤٢ هـ بالمدينة، وقيل: بمكة. تنظر ترجمته في: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (٩٣، ٣/ ٩٢)، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٢/ ٤٦٠).
(^٢) السدانة: خدمة الكعبة، والسادن: خادم الكعبة القائم بأمر نظافتها وكسوتها وحفظها.
ينظر: لسان العرب (سدن).