179

Tafsīr al-ʿUthaymīn: Fāṭir

تفسير العثيمين: فاطر

Publisher

مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٦ هـ

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

قَوْله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ ومع ذلك كفروا ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الباء للمُصاحَبَة؛ يعني: جاؤوا مُصْطَحبينَ هذه الأَشْياءَ، ويُحْتَمَل أنَّها للتَّعْدِيَة، كما تقول: (أَتَيْتُ بِدِرْهَم، أتيت بِطَعامٍ، أَتَيْتُ بِشَرابٍ)، وما أشبه ذلك؛ يعني: أَتَوْا بالبَيِّنَة التي تُبَيِّنُ صِدْقَهُم، وتَفْسيرُ المُفَسِّر ﵀ للبَيِّناتِ بالمُعْجِزاتِ، هذا هو تعبيرُ كثيرٍ من المُتَأَخِّرينِ، ولكنَّ الصَّوابَ أن يقال: (بالآيات)، وأنَّ البَيِّناتِ هذه هي صِفَةٌ لمِوْصوفٍ مَحْذُوفٍ، تَقْديره: (بالآياتِ البَيِّناتِ)؛ أي: الظَّاهِرَة.
والآياتُ التي جاءت بها الرُّسُلُ حِسِّيَّة ومَعْنَوِيَّة، فمن الآياتِ الحِسِّيَّة: ما جاء به موسى ﵊ من العصا، واليد، وغير ذلك، ومن الآيات المَعْنَوِيَّة: ما جاء به من التَّوْراةِ، وكذلك عيسى وغيرهما من الرُّسُلِ، كلُّ رسول لم يأتِ إلا ببَيِّنَة.
وقد ثبت عن النَّبِيِّ ﵊ أنَّه "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ" (^١)، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّه ليس من الحِكْمَة ولا من الحُجَّة ولا من الرَّحْمَة أن يُرسَل رسولٌ إلى الخَلْق يَسْتَبيحُ دماءَ المُخالِفينَ له وأَمْوَالَهم ونِساءَهُم بدون بَيِّنَةٍ حتى لو فُرِضَ أنَّ أَحَدًا كَذَّبَه وهو لم يأتِ ببَيِّنَة لكانَ المكذِّبُ مَعْذورًا؛ لأنَّ البَيِّنَة على المُدَعِّي، فكان من حِكْمَةِ الله ورَحْمَتِه وإقامَةِ حُجَّته أن يجعل مع الرُّسُل آياتٍ تَشْهدُ بِصِدْق ما جاؤوا به.
وقد ذكر أَهْلُ العِلْم ﵏ أنَّ الآياتِ التي جاء بها الرُّسُل - ولا سيَّما الآياتُ الحِسِّيَّةُ - تكون مناسِبةً لِأَبْرَزِ الأُمُور في عَصْرِهم، وضربوا لذلك مثلًا بأنَّ

(^١) أخرجه البخاري: كتاب الإعتصام، باب قول النبي ﷺ بعثت بجوامع الكلم، رقم (٧٢٧٤)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ، رقم (١٥٢)، من حديث أبي هريرة ﵁.

1 / 183