147

Tafsīr Juzʾ ʿAmma

تفسير جزء عم

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الثامنة

Publication Year

١٤٣٠ هـ

٤ - قولُه تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾: ويقسِمُ ربُّنا باللَّيلِ إذا يغطِّي الشمسَ حتى تغيبَ، فتُظلِمُ الآفاق (١).
٥ - قولُه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾: ويقسِمُ ربُّنا بالسماءِ وبمَنْ بناها، أو وببنائِها (٢).

= وقد ذكر الطبريُّ عن الفرَّاء وجهًا آخر في التفسير فقال: «وكان بعضُ أهلِ العربية يتأوَّلُ ذلك بمعنى: والنهار إذا جلا الظُّلمة، ويجعل الهاء والألف من جلاَّها كنايةً عن الظلمة، ويقول: إنما جازَ الكناية عنها، ولم يجرِ لها ذكرٌ قبلُ؛ لأن معناها معروف، كما يُعرف قول من قال: أصبحت باردةً، وأمْسَت باردةً، وهبَّت شمالًا، فكنَّى من مؤنَّثات لم يجر لها ذكر إذ كُنَّ معروفًا معناهُنَّ.
والصوابُ عندنا في ذلك ما قاله أهلُ العلمِ الذين حكينا قولَهم؛ لأنهم أعلم بذلك، وإن كان للذي قاله، مَنْ ذكرنا قولَه من أهل العربية، وجهٌ».
يُلاحظُ في هذا المثالِ أن الطبريَّ لم يذكر في معنى الآية غيرَ قولِ قتادة، فاعتمدَ فهمَهُ في الآية، وهو كذلك يفعل في اعتمادِ قولِ الواحدِ من مفسري السلف إن لم يجد غيرَ قولِه، ولم يقبل قولَ ذلك اللغوي - وهو الفراء (انظر: معاني القرآن: ٣/ ٢٦٦) - لأنه مخالِف في المعنى لما ذكره عن قتادة الذي وصفه بأنه أعلمَ بذلك من الفراء، وهذه قاعدتُه ﵀ في أقوال اللغويين التي تخالِف ما ورد عن السلف، فإنه يردّها ولا يقبلها، وقد أشار إلى قاعدتِه هذه في أول تفسيره (١/ ٤١) فقال في بيانِ وجوهِ تأويلِ القرآن:
«والثالث منها: ما كان علمُه عند أهلِ اللسان، الذي نزلَ به القرآن، وذلك تأويلُ عَربيَّتِه وإعرابه، ولا يوصلُ إلى علمِ ذلك إلا من قِبَلِهِم، فإذا كان ذلك كذلك، فأحقُّ المفسِّرين بإصابة الحقِّ في تأويل القرآن الذي إلى علم تأويله للعباد السبيل، أوضحُهم حجةً فيما تأوَّلَ وفسَّرَ، مما كان تأويله إلى رسول الله ﷺ دون سائرِ أمته، من أخبار رسول الله ﷺ الثابتةِ عنه، إما من وجهِ النقل المستفيض، وإما من وجه نقلِ العُدُولِ الأثْباتِ فيما لم يكن فيه عنه النقل المستفيض، أو من وجه الدلالةِ المنصوبة على صحَّتِه، وأوضحهم بُرهانًا فيما تُرجِمَ وبُيِّن من ذلك مما كان مُدْرَكًا علمه من جهة اللسان، إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنًا من كان ذلك المتأوِّل والمفسِّر، بعد أن لا يكون خارجًا تأويلُه وتفسيرُه ما تأوَّل وفسَّر من ذلك عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة والخَلَفِ من التابعين وعلماءِ الأمة».
(١) أورد الطبري الروايةَ عن قتادة من طريق سعيد، قال: «إذا غشاها الليل».
(٢) ورد عن قتادة من طريق سعيد: «وبناؤها: خَلْقُها»، وعن مجاهد من طريق =

1 / 156