165

Tafsīr Juzʾ ʿAmma

تفسير جزء عم

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الثامنة

Publication Year

١٤٣٠ هـ

سورةُ الشَّرح
١ - قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: يقولُ الله مُمْتَنًّا على نبيِّه ﷺ: لقد وسَّعْتُ لكَ صدرَكَ، فجعلتُه منبسِطًا راضيًا، وجعلتُه محلًّا لوحيي، ومتحمِّلًا لأعباء حَمْلِهِ وتبليغِه للناس، ومتحمِّلًا أخلاقَهم، وغير ذلك مما يدلُّ على سَعَةِ الصَّدْرِ وعَدمِ ضِيقِه (١).
٢ - ٤ - قولُه تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ *الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ *وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾: ويمتنُّ عليه بأنه قد حطَّ عنه الإثمَ (٢) الذي أتعَبَهُ وصارَ

(١) في هذا الشرحِ المعنويِّ إشارةٌ إلى الشرح الحسِّي، وهو شَقُّ صدرِ الرسول ﷺ وإخراجُ ما في قلبِه من النُكْتَةِ السوداء، وملءُ قلبه إيمانًا وحِكْمَة. وقد كان هذا ممهِّدًا لذلك الشرحِ الذي ذكر الله في الآية، والله أعلم.
(٢) أشارَ السلفُ إلى ذلك، فقال: مجاهد من طريق ابن أبي نجيح: «ذنبُك»، قال قتادة من طريق سعيد ومعمر: «كانت على النبي ﷺ ذنوبٌ قد أثقلته، فغفَرها الله له»، وكذا قال ابن زيد.
وهذه مسألةٌ تتعلقُ بالعِصْمَة، وللناسِ فيها كلامٌ كثير، وأغلبُ الكلامِ فيها عقليٌّ لا يَعْتَمِدُ على النصوص، وهذا النص صريحٌ في وقوع الرسول ﷺ في شيء من الذنوب التي قد غفرَها الله له، ولكن لم يبيِّن الله نوعَ هذه الذنوب، ولذا فلا تتعدَّ ما أجملَهُ الله في هذا النصِّ، وقُلْ به تَسْلَم.
ولا تفترض مصطَلَحًا للعِصْمة من عقلِكَ تحمِل عليه أفعالَ الرسول ﷺ، فتدخُل بذلك في التأويلاتِ السَمِجَةِ التي لا دليلَ عليها من الكتاب ولا السنة؛ كما وقع من بعضِهم في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، قال: «ما تقدَّم: ذنبُ أبيك آدم، وما تأخَّر: ذنوبُ أمَّتِك»، وانظر الشَبَهَ بين هذا القولِ وبين قولِ النصارى في الخطيئة، فالله يقول: ليغفرَ لكَ اللَّهُ ما تقدَّم من ذنبِكَ، وهذا يقول هو =

1 / 175