26

Al-Talkhīṣ al-Ḥabīr fī takhrīj ʾaḥādīth al-Rāfiʿī al-Kabīr

التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1419 AH

Publisher Location

بيروت

السنة في القرن الرابع الهجري
كان للتدهور السياسي في مبدأ هذا القرن عامل كبير في جعل الخلافة الإسلامية دويلات متناثرة فعبد الرحمن الناصر يلقب نفسه أمير المؤمنين بالأندلس "٣٢٥هـ" والفاطميون يستقلون بشمال إفريقية، والدولة الإخشيدية بمصر، ودولة بني حمدان في الموصل وحلب والشام، والشيعة الزيدية باليمن والدولة السامانية تسيطر على المشرق وعلى بلاد ما وراء النهر والدولة البويهية تسيطر على بغداد، ولم يكن لبني العباس نصيب من هؤلاء إلا مجرد الاسم.
كانت الحياة السياسية مضطربة مائجة لكن هذه الأحداث التي غيرت خريطة الدولة الإسلامية كانت خيرًا وبركة على الحركة العلمية التي انتشرت في كل مكان على يد العلماء الذين أخذوا يرحلون من قطر إلى قطر ومن مصر إلى مصر ويتلقى بعضهم عن بعض، ويعرضون الكتب والمسموعات على الشيوخ، وكان لهم نشاط علمي في نقد الرجال وتمحيص الأحاديث، ومصنفات جياد في علل الحديث وتاريخ الرواة وعلوم الحديث عامة، وبلغ التدوين في هذا الحصر أشده فظهر الحاكم أبو عبد الله النيسابوري صاحب "المستدرك"، والدارقطني إمام عصره في "الجرح والتعديل" وحسن التأليف واتساع الرواية، وابن حبان "وصحيح" ابن خزيمة الذي قرظه العلماء بقولهم: "صحيح ابن خزيمة يكتب بماء الذهب" فإنه أصح ما صنف في الصحيح المجرد بعد الشيخين: البخاري ومسلم.
علم الجرح والتعديل
هذا هو ميزان الرجال، وهو ميزان توزن به معادنهم فيتميز الذهب من النحاس والفضة من الرصاص، وهذا الفن هو عماد السنة إذ به يتميز الصحيح من السقيم وبه ينكشف حال الضعفاء والكذابين من الرواة وإقامة النكير عليهم صيانة للدين وهو أمر واجب على المسلمين، والحفاظ على الشريعة فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة ١٢٢] وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وقد دخل على النبي ثلاثة أحدهم أقبل عليه والآخر استحيا منه، والثالث أعرض عنه ﷺ فقال لمن حوله: "ألا أخبركم عن الثلاثة؟ أما الأول فقد أقبل فأقبل اللَّه عليه، أما الثاني فاستحيا فاستحيا اللَّه منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه" ومن هنا يتبين لنا من أين أتى وجوب الجرح والتعديل، ولقد تكلم في هذا الفن خلائق لا يحصون منهم صاحبنا في كتابه "الكامل"

1 / 27