وما أشبهما، فإنما يدرك علمها بآثار أفاعيلها وبالغالب من أمورها، على غير إحاطة كإحاطة الله بها.
وأول العلم بكل غائبٍ الظنون، والظنون إنما تقع في القلوب بالدلائل، فكلما زاد الدليل قوي الظنُّ حتى ينتهي إلى غاية تزول معها الشكوك عن القلوب؛ وذلك لكثرة الدلائل، ولترادفها.
فهذا غاية علم العباد بالأمور الغائبة.
فمن عرف ما طبع عليه الخلق وجرت به عاداتهم، وعرف أسباب اتصالهم واتصاله بهم، وتقصى علل ذلك، كان خليقًا - إن لم يحط بعلم ما في قلوبهم - أن يقع من الإحاطة قريبًا.
واعلم أن المقادير ربما جرت بخلاف ما تقدِّر الحكماء، فنال بها الجاهل في نفسه، المختلط في تدبيره، ما لا ينال الحازم الأريب الحذر. فلا يدعونك ما ترى من ذلك إلى التضييع والاتكال على مثل تلك الحال؛ فإن الحكماء قد أجمعت أن من أخذ بالحزم وقدم الحذر، فجاءت المقادير بخلاف ما قدر، كان عندهم أحمد رأيًا وأوجب عذرًا، ممن عمل بالتفريط وإن اتفقت له الأمور على ما أراد.