إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق
فمن أسوء حالً، وأخسر مكانًا، وأبعد من الحزم، ممن كان حرًّا مالكًا لنفسه فصيَّر نفسه عبدًا مملوكًا لغيره، مختارًا للرق، من غير أسرٍ ولا قسر! والعبيد لم يصبروا على الرق إلا بذلّ الأسر والسِّباء.
ومن كان سره مصونأً في قلبه يطلب إليه في الحديث به فأخرجه عن يده، صار هو الطالب الراغب إلى من لا يوجب له طاعة، ولا يفكر له في عاقبة، ولا يتحرز له من مصيبة. وكلما كانت إذاعته لأسراره أكثر كان عدد مواليه أكثر، وشقاؤه بخدمتهم أدوم. فإذا كان أصل السر معلومًا عند عدةٍ أو أقل من العدّة، فما أعسر استتاره. غير أنه لا لوم على صاحب الخيانة فيه إذا كان ليس هو الذي أفشاه، ولا من قبله علم.
ولو أن أوزن الناس حلمًا ملك لسانه وحصَّن سره وقلَّل لفظه، ما قدر على أن يملك لحظ عينيه، وسحنة وجهه، وتغير لونه، وتبسُّمه أو قطوبه، عند ما يجري بلبه من ذكر ذلك السر، أو يخطر بباله منه، فيبدو في وجهه