156

Rasāʾil al-Jāḥiẓ

رسائل الجاحظ

Editor

عبد السلام محمد هارون

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

القاهرة

ويغتاب الرجل عند عدوّه والمشاحن له، مساعدةً له بالسخف، وتقربًا إليه بالمهانة والضعف، من غير أن يكون له عليه طول، أو يلتمس منه ما تقرَّب به إليه جزاءً أو شكورا.
ثم لعله ينكفي إلى الذي اغتابه وقصبه من ساعته ويومه، فيعطيه في عدوه الذي اغتابه عنده أيضًا مثل ذلك وأكثر منه، لا لعلةٍ أيضًا ولا مرفق ولا ربحٍ أكثر من الذِّلَّة التي يجدها في نفسه، والضعف في منَّته، كما يعظِّم الغنيَّ بغير ثمن، ويحتقر الفقير بغير سبب، فمتى كوشف أو عوتب لبسته ذلّةٌ أُخرى من الكظَّة بالمعاذر الكاذبة، والاعتصام بالأيمان الفاجرة. ومن كانت هذه دربته فهو حرى أن يُطَّلع على دخلة أمره، فلا يُقبَل منه عذر، ولا يُصَّق في قولٍ ولا حلف، وقد تسربل الذِّلّة، وتدرع الخضوع.
وليس من سوس النفس الكريمة الشهمة، أن تلقى الناس بخلاف ما يتخلَّقون به مل لم تأت ضرورة يحتاج فيها إلى كيد وغيلة، أو مكر وحيلة، ويثار بالغيبة فيها الرأي الأصيل من مكانه، فيفعل ذلك العاقل فيما يحل له ويحسن به، بعد أن تعييه الحيلة في استصلاح ذلك العدو بالرفق والملاينة.
وإنما قيل: " قل من اعتذر إلا كذب "، لكثرة النَّطف في الناس،

1 / 165