وهذا يخالف العطف والتقديم والنفي والاستثناء، فإذا قلت - في العطف-: (طارق شجاع لا جبان) و(ما طارق جبانا بل شجاع) أو (لكن شجاع) فإن الذي يعقل أولًا في المثال الأول ثبوت الشجاعة لطارق ثم نفى الجبن عنه، والذي يعقل في المثال الثاني أولًا: نفي الجبن عن طارق، ثم ثبوت الشجاعة له، ولا ريب أن تعقل الحكمين معًا أفضل حتى لا يذهب فيه الوهم إلى عدم القصر من أول الأمر.
وإذا قلت - في التقديم-: (الحق عرفت) فإنه وإن أفادهما معًا إلا أن إفادته إياهما على سبيل الاحتمال لا القطع، إذ يحتمل أن يكون الاسم المذكور معمولًا للعامل المؤخر فيكون تقديمه مفيدًا لهما معًا، ويحتمل أن يكون معمولًا لشيء آخر مقدر فلا يكون مفيدًا لهما.
وإذا قلت - في النفي والاستثناء -: (ما أسعدني إلا نجاحك) فإنه وإن أفادهما معًا إلا أن إفادته موقوفة على المستثنى منه، لأن الاستثناء قد وضع للإخراج، فلابد من مراعاة المخرج منه.
فقد وضح من ذلك إذن أن إفادة حكمي الإثبات والنفي معًا دفعة واحدة، مزية مقصورة على (إنما).
والطريق الرابع: وهو التقديم: يمتاز من بين الطرق الأخرى بأنه إنما يدل على القصر بمفهوم الكلام وفحواه، بمعنى أن صاحب الذوق السليم إذا تأمل في الكلام المشتمل على تقديم ما حقه التأخير فهم القصر وإن لم يعرف أن التقديم في اصطلاح البلاغيين مفيد للقصر، فقولك: (مصري أنا) يفيد قصر المتكلم على وصف المصرية، لا يتعداها إلى الشامية - مثلًا -، وذلك بالنظر إلى مفهوم الكلام وفحواه.
أما الطرق الثلاثة الأخرى - وهي العطف، والنفي والاستثناء، وإنما- فإن دلالتها على القصر بالوضع لا بالفحوى، أي أن الواضع وضع هذه الثلاثة لمعنى هو: إثبات المذكور ونفي ما عداه، بحيث يجزم العقل - عند ملاحظته- بالقصر، فلا العاطفة - مثلًا - موضوعة للنفي بعد الإثبات وهذا المعنى مفيد للقصر، وكذلك النفي والاستثناء، فحرف النفي موضوع للنفي وحرف الاستثناء موضوع للإخراج من حكم النفي، وهذا المعنى - أيضًا - مفيد للقصر.