Al-Tibyān fī Aymān al-Qurʾān
التبيان في أيمان القرآن
Editor
عبد الله بن سالم البطاطي
Publisher
دار عطاءات العلم (الرياض)
Edition
الرابعة
Publication Year
١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)
Publisher Location
دار ابن حزم (بيروت)
Regions
•Syria
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال
(١٤)
التبيان
في أيمان القرآن
تأليف
الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية
(٦٩١ - ٧٥١)
تحقيق
عبد الله بن سالم البطاطي
إشراف
بكر بن عبد الله أبو زيد
دار عطاءات العلم
دار ابن حزم
المقدمة / 1
راجَعَ هَذا الجزْء
مُحَمَّدْ أَجْمَل الإصْلَاحِي
عَبد الرحمن بن معَاضة الشهْري
المقدمة / 3
مقدمة التحقيق
الحمد لله الذي أنزل الفرقان، وجعل فيه التبيان، وضمَّنَه الأقسامَ والأيمان، نحمده على جزيل الإحسان، وعظيم الامتنان، وهو المستحقُّ لكلِّ حمدٍ في كل آن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فهذا كتابٌ عظيمُ النَّفْع، طيِّبُ الوَقْع، سال فيه قلم ابن القيم ﵀ بالفوائد المحرَّرة، والفرائد المبتكرة، حتَّى فاض واديه فبلغَ الروابي، وملأ الخوابي، قصدَ فيه جمعَ ما ورد في القرآن الكريم من الأيمان الربَّانية وما يتبعها من أجوبتها وغاياتها وأسرارها، فبَرعَ وتفنَّن، ثُمَّ قعَّد وقَنَّن، ولا غَرْوَ في ذلك فإنَّه "شمس الدِّين".
وقد اعتنى أهل العلم بالأيمان والأقسام من قديم، فأفردوها بالتصنيف على قلَّةٍ في ذلك، إلا أنَّ أغراضهم ومقاصدهم تنوَّعت من تآليفهم؛ فمن ذلك:
أنَّ جماعةً من علماء العربية صنَّفوا فيما ورد عن العرب من الأيمان والأقسام، كما فعل أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (٢٩١ هـ) فصنَّف "كتاب الأيمان" (^١)، وكذلك صنَعَ: عَسل بن ذكْوَان العسكري النحوي - في طبقة المبرِّد - كتابَ "أقسام العربية" (^٢)، وجمَعَ
(^١) انظر: إنباه الرواة" (١/ ١٥١).
(^٢) انظر: "معجم الأدباء" (١٢/ ١٦٩)، و"إنباه الرواة" (٢/ ٣٨٣).
المقدمة / 5
أبو إسحاق النَّجِيرَمي (٤٢٣ هـ) في كتابِ لطيفٍ "أيمان العرب" (^١) .
ورامَ جماعةٌ من الأئمة جمع ما ورد في الأيمان من الرواية والدراية كما فعل الإمام أبو عبيد القاسم بن سلَّام (٢٢٣ هـ) في كتابه "الأيمان والنذور" (^٢) .
وألَّف الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي (٦٠٠ هـ) جزءًا سمَّاه: "الأقسام التي أقسم بها النبيُّ ﷺ" (^٣) .
وأفردَ الإمام أبو الحسينِ محمد بن القاضي أبي يعلى (٥٢٦ هـ) جزءًا لطيفًا في المسائل التي حَلَف عليها الإمام أحمد (^٤) .
و"أقسام القرآن" من ذيَّاك القبيل، وقد عدَّه السيوطي في "الإتقان" (٢/ ١٠٤٨) نوعًا من أنواع علوم القرآن، وتبعه طاش كبري زاده في "مفتاح السعادة" (٢/ ٥٤٠) حيث جعله فرعًا من فروع التفسير (^٥)، فعِلْمٌ هذا شأنه لا يستغرب بعد ذلك أن يحتفي به العلماء ويخصُّوه بعناية زائدة ويفردوه بمصنفاتٍ خاصَّة.
وهذا الكتاب المبارك بدأته بمقدِّمة دراسية تتعلق بالكتاب وموضوعه، وجعلتها على قسمين:
(^١) طبع في المطبعة السلفية بمصر، سنة ١٣٤٣ هـ.
(^٢) انظر: "إنباه الرواة" (٣/ ٢٢).
(^٣) انظر: "السير" (٢١/ ٤٤٧).
(^٤) طبع بدار العاصمة - الرياض، سنة ١٤٠٧ هـ، بتحقيق: محمود بن محمد الحداد.
(^٥) وانظر: "كشف الظنون" (١/ ١٣٧)، و"أبجد العلوم" (٢/ ١٢٣).
المقدمة / 6
القسم الأوَّل: فصولٌ في القَسَم، وذكرتُ فيه:
- منزلة القَسَم عند العرب.
- الأقسام في القرآن.
- أشتاتٌ من الفوائد.
- المصنَّفات في أقسام القرآن.
والقسم الثاني: التعريف بالكتاب، وذكرتُ فيه:
- عنوان الكتاب.
- نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه.
- تأريخ تأليف الكتاب.
- موضوع الكتاب.
- منهج المؤلِّف في الكتاب.
- موارد المؤلِّف في الكتاب.
- أهمية الكتاب وأثره فيمن بعده.
- طبعات الكتاب.
- نسخ الكتاب.
- عملي في التحقيق.
والله أسأل أن ينفع بهذا العمل، وأن يقينا فيه الزَّلل والخطَل، ويديم علينا نعمته، ويسبغ علينا عافيته؛ إنَّه جوادٌ كريم، مجيبٌ قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المقدمة / 7
القسم الأوَّل: فصول في القَسَم
- منزلة القَسَم عند العرب
- الأقسام في القرآن
- أشتاتٌ من الفوائد
- المصنَّفات في أقسام القرآن
المقدمة / 9
<رمز>منزلة القَسَم عند العرب:رمز>
للعرب طريقتهم في الكلام، وأسلوبهم في التخاطب، وقواعدهم في الحديث، أرشدتهم إليها فطرتهم القويمة، وطبيعتهم المستقيمة، فجرى بها لسانهم عفوًا من غير اعتمال، وسليقةً من دون افتعال.
وقد كان العرب أهل صدق وذمَّة، يتنزَّهون عن الكذب أيًّا ما كان الخبر، ويَعَافُون حكايته، ويستقبحون فعلته، ويعيِّرون فاعله ذمًّا وشنَاءةً، فالكذب عندهم عار اللسان كما أنَّ الزِّنا عار العِرْض.
لأجل ذلك كانوا يَصْدُقُون على الدوام، فيكون سامعهم على ثقةٍ من كلامهم، فإذا تردَّد السامع في صدق خبرهم أو شكَّ في ثبوته أكَّدوه له بما يناسب المقام من المؤكِّدات اللفظية وغيرها، حتى يستروح إلى أمانتهم في الحكاية، وصدقهم في القيل.
"والقَسَم" نوعٌ من أنواع التوكيد عند العرب، بل هو أجلُّها وأعظمها؛ لأنَّه غاية ما يبذله المتكلِّم من الجَهْد لتقوية كلامه وتثبيته في نفس سامعه، وليس في المؤكِّدات ما يوازيه أو يقوم مقامه فهو أقواها على الإطلاق، ولهذا كثرت ألفاظهم وتنوَّعت عباراتهم في أداء القَسَم؛ شأنهم في كل الأمور الجليلة والخطيرة، فمن ذلك قولهم: "لا وفالق الإصباح، وباعث الأرواح"، "لا والذي شقَّ الجبال للسيل، والرجال للخيل"، "لا والذي نادى الحجيج له"، وغير ذلك من ألفاظ القَسَم (^١).
زد على ذلك تعظيم القَسَم في نفوسهم فقد كان لهم فيه اعتقاد،
(^١) انظر: "الأمالي" للقالي (٣/ ٥١)، و"أيمان العرب" للنَّجِيرَمي (١٩)، و"المخصَّص" لابن سيده (١٣/ ١١٨)، و"المزهر" للسيوطي (٢/ ٢٦١).
المقدمة / 11
حيث كانوا يعتقدون أنَّ اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع، ولا تترك شيخًا ولا يافع، الأمر الذي جعلهم يتحفَّظون في أيمانهم، ولا يطرحونها إلا في مواطن الجِدِّ والحزم والصرامة.
وقد نزل القرآن بلغة العرب وعلى أسلوب كلامهم، ومناحي خطابهم، فجاء في أسلوب بيانه من القَسَم ما كان معهودًا عندهم، وخُصَّ بالأمور الجليلة العظمى، وقضايا الإيمان الكبرى.
فإن قيل: إنَّ المتكلِّم إنِّما يحلف ويُقْسِم لحاجته إلى القَسَم واليمين في تأكيد أمرٍ أو تثبيت خبرٍ عند سامعه، أمَّا الله ﷻ فإنَّه غير محتاجٍ إلى ذلك؛ لأنَّه - سبحانه - أحسن حديثًا وأصدق قيلًا.
هذا من جهة المتكلِّم بالقَسَم؛ أمَّا المُلْقَى إليه القَسَم فإنَّه إمَّا أن يكون مؤمنًا؛ فهذا يحمله إيمانه على التصديق بكلام الله ﷿ فلا يتوقَّف إيمانه على اليمين لأنَّه قد سلَّم وأيقنَ بما في القرآن. وإمَّا أن يكون كافرًا؛ فهذا لم ينتفع بالحجج والبراهين فكيف ينتفع بالقَسَم واليمين! فآلَ الأمرُ إلى عدم الحاجة إلى الأيمان، ومالا حاجة إليه لا فائدة من وروده! (^١)
والجواب من خمسة أوجه:
الأوَّل: ما سبق تقريره من أنَّ هذا جارٍ على سَنَن لغة العرب ومألوف لسانها، فليس في وروده في القرآن إغرابٌ في اللغة ولا بمدخولٍ عليها
(^١) وثَمَّ إشكال آخر يورده بُلَداء المستشرقين، انظره وجوابه في: "مناهل العرفان" للزرقاني (١/ ٢٢٢)، و"المدخل لدراسة القرآن الكريم" لمحمد أبو شهبة (٢٤٥ - ٢٤٧)، و"القَسَم في القرآن الكريم" لحسين نصَّار (٤٩).
المقدمة / 12
ما لا يعرفه أهلها، بل هو ممَّا اعتادوه في مجريات كلامهم بغضِّ النظر عمَّن أُلقي إليه القَسَم.
الثاني: أنَّ وجود القَسَم في القرآن من أبلغ الحجج وأوضحها على صدق النبيِّ ﷺ وصحة رسالته، إذ لو كان كاذبًا في هذه الأيمان لأصابه خراب الديار، وانقلاب الحال، وسوء المآل؛ على ما كانوا يعتقدونه في الأيمان الكاذبة، أمَا والأمرُ بعكس ذلك فإنَّ يمينه برَّةٌ، وكلامه صدقٌ، ورسالته حقٌّ.
الثالث: أنَّنا لا نسلِّم بانتفاء فائدته، بل الفائدة حاصلة حتمًا، وذلك أنَّ النَّاس ثلاثة أصناف: مؤمن، ومرتاب، وجاحد.
فأمَّا المؤمن فإنَّ توكيد الكلام بالقَسَم يزيده طمأنينةً واستيقانًا، وينزل الكلام من نفسه المنزل الأسنى.
وأمَّا المرتاب فإنَّ القَسَم يزيل ريبته، ويطرح الشكَّ الذي في نفسه، فلا يبقى عنده تردُّدٌ في ثبوت الخبر أو عدمه.
وأمَّا الجاحد فإنَّ القَسَم زيادةٌ في تحقيق البيِّنَة وإقامة الحجة عليه، فلا حُجَّة له بَعْدُ أن يقول: إنَّ ما سمعتُه كان خبرًا من جملة ما نسمعه من الأخبار التي تطرق مسامعنا على الدوام، ولم يؤكَّد لي هذا الخبر أو ذاك بيمينٍ أو قَسَمٍ أحترمُه وأعظِّمُه. فورود القَسَم دفعٌ لهذه الحُجَّة الداحضة.
الرابع: أنَّ ما ذُكر في الإشكال إنَّما يستقيم إذا حصرنا فائدة القَسَم فيما قالوه فقط؛ والأمر ليس كذلك، إذ قد يرد القَسَم ويراد به تعظيم المقسَم به أو المقسَم عليه لا غير كما ذهب إليه بعض أهل العلم منهم
المقدمة / 13
ابن القيم ﵀.
الخامس: ما ذكره أبو القاسم القشيري ﵀ حيث قال: "إنَّ الله ذكر القَسَم في القرآن لكمال الحجة وتأكيدها، وذلك أنَّ الحُكْمَ يُفْصَل باثنين: إمَّا بالشهادة، وإمَّا بالقَسَم. فذكر الله - تعالى - في كتابه النوعين حتى لا يبقى لهم حُجَّة، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] " (^١) .
* * *
(^١) نقله عنه الزركشي في "البرهان" (٣/ ١٢٢)، والسيوطي في "الإتقان" (٢/ ١٠٤٨)، وفي "معترك الأقران" (١/ ٤٥٠)، وطاش كبري زاده في "مفتاح السعادة" (٢/ ٥٤٠).
المقدمة / 14
<رمز>الأقسام في القرآن:رمز>
جاءت الأقسام في القرآن الكريم على ضربين:
الضرب الأوَّل: الأقسام الصادرة من الخلق وذكرها الله ﷿ عنهمِ، كقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وكقوله تعالى عن المشركين: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢]، وغير ذلك كثير.
الضرب الثاني: ما أقسم الله ﷿ به، وهذا على نوعين:
الأوَّل: القَسَم المُضْمَر؛ وهو القَسم المحذوف منه فعل القَسَم والمقسَم به، لكن يدل عليه أحد أمرين:
١/ إمَّا جوابه المقرون باللام، كقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]، تقديره: واللَّهِ لتبلونَّ ولتسمعنَّ.
٢/ وإمَّا المعنى والسياق، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، أي: والله ما من كافرٍ إلا واردٌ النَّار، بدلالة المعنى والسياق الذي جاءت فيه هذه الآية فإنها جاءت بعد آياتٍ مؤكَّداتٍ بالقَسَم الملفوظ وهو قوله سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ. . .﴾ [مريم: ٦٨ - ٧٠].
الثاني: القَسَم الظاهر الملفوظ، وهذا على ثلاثة أضرب:
المقدمة / 15
أوَّلًا: إقسامُه - سبحانه - بذاته القدسيَّة، وورد ذلك في عشر آياتٍ مباركاتٍ (^١)، منها آيتان مدنيتان، والثماني الباقيات مكيَّةٌ، وهي:
١ - ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥].
٢ - ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣].
٣ - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر: ٩٢].
٤ - ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦].
٥ - ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النحل: ٦٣].
٦ - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: ٦٨].
٧ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].
٨ - ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣].
٩ - ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].
١٠ - ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠)﴾ [المعارج: ٤٠].
(^١) ذكر الزركشي في "البرهان" (٣/ ١٢١) سبعَ آياتٍ فقط، وعنه تناقلها من جاء بعده، وتتبعها الدكتور: يوسف خليف فأوصلها إلى عشر آياتٍ في كتابه "دراسات في القرآن والحديث" (٩٦)، ووافقه الأستاذ: حسين نصَّار في "القسم في القرآن الكريم" (٤٧)، لكن الدكتور: سامي عطا حسن تعقَّبَ بعضها في بحثه "أسلوب القسم الظاهر في القرآن الكريم" (٤٥).
المقدمة / 16
ثانيًا: إقسامه - سبحانه - بأفعاله وصفاته العليَّة، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ [الشمس: ٥ - ٧] على اعتبار "ما" مصدريَّة، أي: والسماء وبنائها.
ثالثًا: إقسامُه - سبحانه - بمخلوقاته، وهو - سبحانه - لا يقسم إلا بالأشياء العظيمة الدالَّة على قدرته وكمال صُنعه، أو بالأشياء المباركة في نفعها أو فضلها.
قال ابن القيم ﵀: "وإنما يُقْسِم - سبحانه - من كل جنْسٍ بأعلاه، كما أنه لمَّا أقسَمَ بالنُّفُوس أقسَمَ بأعلاها؛ وهي: النَّفْس الإنسانيَّة.
ولمَّا أقسَمَ بكلامه أقسَمَ بأشرفه وأجلِّه؛ وهو: القرآن.
ولمَّا أقسَمَ بالعُلْويَّات أقسَمَ بأشرفها؛ وهي: السماء، وشمسها، وقمرها، ونجومها.
ولمَّا أقسَمَ بالزَّمان أقسَمَ بأشرفه؛ وهو: الليالي العَشْر.
وإذا أراد - سبحانه - أن يُقْسِمَ بغير ذلك أدرجه في العموم كقوله ﷿: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ [الحاقة: ٣٨، ٣٩]، وقوله: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [الليل: ٣]، في قراءة رسول الله ﷺ، ونحو ذلك" (^١) .
وقد نُقل عن الضحَّاك إنكاره لهذا النوع من القَسَم فقال: "إنَّ الله لا يقسم بشيءٍ من خلقه، ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه" (^٢) !
(^١) "التبيان" (١٨٨ - ١٨٩).
(^٢) نقله عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٦٢)، وابن كثير في "تفسيره" =
المقدمة / 17
وهذا لا يثبت عنه؛ لأنَّه من رواية جويبر عنه، وجويبر متروك.
ثُمَّ لو صح لكان مطَّرَحًا لمخالفته صريح القرآن، قال ابن كثير: "وهذا القول ضعيف، والذي عليه الجمهور أنه قَسَمٌ من الله ﷿ يُقسِمُ بما شاء من خلقه، وهو دليلٌ على عظمته" (^١).
وههنا سؤال يكثر إيراده في باب القَسَم وهو: أنَّه قد ورد النهي عن الحلف بغير الله ﷿، فكيف جاء في القرآن القَسَم بالمخلوقات؟
وللعلماء أجوبةٌ كثيرةٌ عن هذا السؤال، وعن الأجوبة اعتراضات عند بعضهم، والكلام فيها يطول، لكنَّ أصح هذه الأجوبة وأحسنها - وهو المنقول عن السلف - أنَّ الله ﷿ يقسِمُ بما شاء من خلقه، وليس للخلق أن يُقسِمُوا إلا به سبحانه، كما قال ﷿: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
* * *
= (٧/ ٥٤٣).
(^١) "تفسيره" (٧/ ٥٤٣).
المقدمة / 18
<رمز>أشتاتٌ من الفوائد:رمز>
وقفتُ - أثناء قراءتي ومطالعتي - على فوائد مبثوثة هنا وهناك تتعلق بالقَسَم ولا ينتظمها أمرٌ واحد، فأحببتُ أن أثبتها ههنا تتميمًا للفائدة:
* حكى القرافي (٦٨٤ هـ) الإجماعَ على أنَّ القَسَم من أقسام الإنشاء لا الخبر (^١).
* قال ابن خالويه (٣٧٠ هـ): "واعلم أنَّ القَسَم يحتاج إلى سبعة أشياء: أحرف القَسَم، والمقسِم، والمقسَم به، والمقسَم عليه، والمقسَم عنده، وزمان، ومكان" (^٢).
* أوَّلُ قَسَمٍ في القرآن بحسب ترتيب النزول جاء في سورة "القَلَم": ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ (^٣).
* قال الثعلبي (٤٢٧ هـ) (^٤): "وجوابات القَسَم سبعةٌ:
١ - "إنَّ" الشديدة، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤].
٢ - و"ما" النفي، كقوله: ﴿وَاَلضُّحُى (١) ... مَا وَدَّعَكَ﴾ [الضحى: ١ - ٣].
(^١) "الفروق" (١/ ١٠٦). ونقله عنه السيوطي في "معترك الأقران" (١/ ٤٤٩)، وطاش كبري زاده في "مفتاح السعادة" (٢/ ٤٩٤).
(^٢) "إعراب ثلاثين سورة من القرآن" (٤٦). وراجع كتاب "أسلوب القَسَم واجتماعه مع الشرط في رحاب القرآن الكريم" لعلي أبو القاسم عون (٣٨ - ٣٩) ففيه تمثيل وشرح.
(^٣) انظر: "قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله" عبد الرحمن حبنكة (٤٦٥).
(^٤) "الكشف والبيان" (٩/ ٩٣ - ٩٤)، وعنه البغوي في "معالم التنزيل" (٧/ ٣٥٦).
المقدمة / 19
٣ - و"اللام" المفتوحة، كقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر: ٩٢].
٤ - و"إنْ" الخفيفة، كقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي. . .﴾ [الشعراء: ٩٧].
٥ - و"لا"، كقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ. . .﴾ [النحل: ٣٨].
٦ - و"قد"، كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ١ - ٩].
٧ - و"بل"، كقوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا﴾ [ق: ١ - ٢] ".
* جاء الاستفتاح بالقَسَم في خمس عشرة سورة من القرآن، كلها مبدوءة بحرف "الواو"، وكلها سورٌ مكيَّةٌ، وهي: (^١)
١ - والصافات.
٢ - والذاريات.
٣ - والطور.
٤ - والنجم.
٥ - والمرسلات.
٦ - والنازعات.
٧ - والسماء ذات البروج.
(^١) انظر: "مقدمة في الدراسات القرآنية" لمحمد فاروق النبهان (١٧٣).
المقدمة / 20
٨ - والسماء والطارق.
٩ - والفجر.
١٠ - والشمس.
١١ - والليل.
١٢ - والضحى.
١٣ - والتين.
١٤ - والعاديات.
١٥ - والعصر.
* أطول موضع في القرآن الكريم تتابع فيه القَسَم جاء في سورة "الشمس"، حيث تتابعَتْ سبع آياتٍ متوالياتٍ يطَّرد فيها القَسَم بحرف "الواو" في صدر كل آية (^١).
* لم تأتِ سورة مدنيَّةٌ مبدوءةٌ بحرف القَسَم "الواو" (^٢).
* صيغة القَسَم "تالله" لم ترد إلا في الآيات المكيَّة فقط (^٣).
(^١) انظر: "الإعجاز البياني للقرآن" لعائشة بنت الشاطيء (٢٢٩)، و"القَسَم في
القرآن الكريم" لحسين نصَّار (٩١).
(^٢) انظر: "القَسَم في القرآن الكريم" لحسين نصَّار (٩١)، وأحال في الهامش على مصادر أخرى.
(^٣) انظر: "دراسات في القرآن" ليوسف خليف (١١١)، و"القَسَم في القرآن الكريم" لحسين نصَّار (٩١).
المقدمة / 21
* أكثر ما أقسم الله به من المخلوقات هو "الليل"، حيث جاء القَسَم به في ستِّ آياتٍ مباركات؛ وهي:
١ - في سورة [المدثر: ٣٣]: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾.
٢ - في سورة [الانشقاق: ١٧]: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾.
٣ - في سورة [التكوير: ١٧]: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾.
٤ - في سورة [الفجر: ٤]: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾.
٥ - في سورة [الشمس: ٤]: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾.
٦ - في سورة [الليل: ١]: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾.
* ورد المقسَم به مسبوقًا بأداة النفي "لا" في ثمانية مواضع من القرآن الكريم (^١)، وهي:
أ/ مقسَم به تقدمته أداة النفي مقترنة بـ "الفاء"، وذلك في ستة مواضع من القرآن الكريم، وكلها في ثنايا السور، وهي:
١ - قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥].
٢ - وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ [الحاقة: ٣٨، ٣٩].
(^١) انظر: "أسلوب القَسَم الظاهر في القرآن الكريم" للدكتور: سامي عطا حسن (٣٧)، مقال في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الكويت، العدد (٥٣)، سنة ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.
المقدمة / 22
٣ - وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠)﴾ [المعارج: ٤٠]
٤ - وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة: ٧٥].
٥ - وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ [التكوير: ١٥، ١٦].
٦ - وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦)﴾ [الإنشقاق: ١٦].
ب/ ومقسَمٌ به مسبوق بأداة النفي "لا" غير مقترنة بـ "الفاء" وذلك في موضعين:
١ - قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ١ - ٢].
٢ - وقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد: ١].
* ورد القَسَم بالقرآن الكريم في خمسة مواضع، كلها مسبوقة بالحروف المقطَّعة التي افتتحت بها السور (^١)؛ وهي:
١ - قوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [يس: ١ - ٢].
٢ - وقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١].
٣ و٤ - وقوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [سورتا الزخرف والدخان].
(^١) انظر: "القَسَم في القرآن الكريم" لحسين نصَّار (٤٨).
المقدمة / 23
٥ - وقوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق: ١].
* قال ابن القيم ﵀ عند قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ [الحاقة: ٣٨، ٣٩]: "وهذا أعمُّ قَسَمٍ وقع في القرآن، فإنَّه يَعُمُّ العلويَّات والسُفْليَّات، والدنيا والآخرة، وما يُرى وما لا يُرى، ويدخل في ذلك الملائكة كلهم، والجنُّ، والإنسُ، والعرشُ، والكرسيُّ، وكلُّ مخلوق" (^١) .
* وقال أيضًا: "ثُمَّ أقسَم - سبحانه - أعظمَ قَسَمٍ، بأعظم مقسَمٍ به، على أجلِّ مقسَمٍ عليه، وأكَّد الإخبار به بهذا القَسَم، ثُمَّ أكَّده - سبحانه - بشِبْهِه بالأمر المحقَّق الذي لا يشكُّ فيه ذو حاسَّةٍ سليمةٍ، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٣] " (^٢) .
* * *
(^١) "التبيان" (٢٦٤).
(^٢) "التبيان" (٦٣٨).
المقدمة / 24