المطلب السادس :
طريق الحكم :
يقصد بطريق الحكم : تلك الأدلة والبيئات التي يستند إليها القاضي في فصل النزاع بين الخصوم ، والقضاء في الإسلام جاء لإحقاق الحق وردع الظالم ، وإعطاء كل ذي حق حقه ، ولذا فعلى القاضي وهو يسعى لتحقيق هذه الغاية المنشودة أن يتحرى العدل في أحكامه مستنداً في ذلك على الأدلة الشرعية والحجج الصحيحة ، فلا يحكم بالهوى، ولا بالتشهي وإنما يسير وفق طريق واضح بيِّن، ولذا يقول:" لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه "(١) ، ومن هنا فإن الحق الذي يريد القاضي إقامته يتيه بين الأفراد ، وكل خصم يدعي أنه صاحبه (٢) ، ولذلك لابد من أدلة وبينات يستند إليها صاحب الحق لإثبات حقه أمام القاضي ، وإلا ضاع الحق وادعى رجال على غيرهم ما لا حق لهم فيه ، ولذا جاءت النصوص الشرعية مبينة جملة من هذه البيئات التي ينبغي للقاضي أن يحكم بها كالإقرار والشهادة، واليمين، ... وغيرها ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل وسائل الإثبات التي جاءت في هذه النصوص هي على سبيل الحصر؟ فلا يحق للقاضي أن يحكم بغيرها ؟ أم أنها على سبيل المثال ؟ وللقاضي أن يعتمد على وسائل أخرى للإثبات ؛ لأن البيئة هي اسم لكل ما بين به الحق.
اتفق الفقهاء على أن الإقرار ، والشهادة ، واليمين حجج شرعية ، وطرق معتمدة في الإثبات ، يمكن للقاضي أن يعتمد عليها في إصدار أحكامه القضائية (٣) . واختلفوا فيما سوى ذلك من وسائل الإثبات كالكتابة ، والقرائن ، والخبرة
(١) البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب التفسير ، باب إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ، ج٤، ص ١٦٥٦ ، مسلم ، صحيح مسلم و كتاب الأقضية ، باب اليمين على المدعى عليه ، ج٣ ، ص١٣٣٦ ، واللفظ لمسلم.
(٢) الزحيلي ، التنظيم القضائي، ص١٩.
(٣) ابن عابدين ، حاشية رد المحتار، ج٥، ص ٣٥٤ ، السبكي ، فصل القضية، ص١٨، ابن الغرس ، الفواكه البدريه ، ص٧٩ ، علي حيدر، درر الحكام ، ج٤، ص٨٣ ، ابن فرحون ، تبصرة الحكام ، ج١ ، ص ٢٢٥، جعيط، الطريقة المرضية، ص ٨١، الشربيني، مغني المحتاج ، ج٤، ص٤٨٨، الماوردي الحاوي، ج٢٠، ص٣٨٣، البعلى، كشف المخدرات، ج٢، ص٨٢٧ ، ابن القيم ، محمد بن أبي بكر (ت ٧٥١هـ /١٣٥٠م)، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ١م، (تحقيق: محمد حامد الفقي)، ١٩٥٣م، ص١٠٨، وما بعدها، القاري، مجلة الأحكام الشرعية ص ٥٩٣، مادة (٢٠٢١ ).