مشقة وعنت. وإذا كانت هذه سنة الله في أنبيائه وعباده الصالحين أن يتعرضوا للأذى والعنت – وهم أكرم خلق الله على الله – فمن باب أولى أن يلاقي دعاة الهدى والخير صنوفًا شتى من الأذى والسخرية والاستهزاء والعذاب وسيجدون معية الله تصحبهم وترعاهم وحفظه وقدره يحوطهم. وكل ما يلقونه إنما هو ابتلاء واختيار كما قال تعالى:
﴿مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴿[سورة آل عمران: ١٧٩] .
وحين يثبت المؤمنون على الحق، ويتوكلون على الله حق توكله، ويخافونه وحده، ولا يخافون إلا الله، فسيكون هذا دافعًا عظيمًا لدخول الناس في دين الله، والاهتداء بهديه، والاقتداء بهؤلاء الصادقين الذين ضحوا بكل غال ونفيس، وزهدوا فيما عند الناس راغبين ومؤملين فيما عند الله.
ومن هذه الأمثلة التي نريد الحديث عنها باختصار، نوح ﵊ فقد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا فلم يؤمن معه إلا القليل، والموقف الذي نريد أن نتحدث عنه من مواقفه ﵇ هو موقفه مع ابنه الذي عصاه وأبى أن يستجيب لدعوة أبيه. قال تعالى:
﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ ﴿٤٢﴾ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴿٤٣﴾ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ