ومع كثرتها وتعددها تجد منها ما يكون سببًا حقًا، ومنها ما ليس كذلك مما يشير إلى أن الأسلوب المستعمل في التعبير عن النزول ليس أُسًّا ينتفي السبب بانتفائه، ويبقى ببقائه حتى عند مستعمليه.
ولعلي أُبين بعض الأسباب التي أَدت إلى عدم إحكام أساليب التعبير عن أسباب النزول فأقول:
أولًا: تصرف الرواة في الألفاظ كثير في هذا الباب، وإذا كانوا يُبدلون تلا بأنزل مع ما بينهما من فرق فلأن يكون الإبدال فيما هو أقل من ذلك من باب أولى.
ثانيًا: توسع السلف ﵏ في استعمال التعبير بالنزول حيث يطلقون هذا المفهوم على ما تضمنته الآية بعمومها من صور وأَمثلة فيظن من بعدهم أنهم يريدون بالنزول ما اصْطُلِح عليه أخيرًا، وهو الحدث الذي تنزل بسببه الآية، وليس الأمر كذلك عندهم.
ثالثًا: ظن بعضهم ﵏ في قضايا معينة أنها أسباب لنزول بعض الآيات وليس الأمر كذلك كما في الأمثلة التالية:
١ - أخرج البخاري وأحمد والنَّسَائِي عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه ﵁ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: (اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا) بعدما يقول: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) فأنزل الله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) إلى قوله: (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).
٢ - أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجالًا من المنافقين على عهد رسول اللَّه ﷺ كان إذا خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللَّه ﷺ فإذا قدم رسول اللَّه ﷺ اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ...) الآية.