لما كان الأمر كذلك: أطلق نفاة الصفات على من أثبت الصفات هذا المصطلح (مجسمة الحنابلة)، زورًا وبهتانًا.
وقد أجاب الإمام ابن قدامة المقدسي (ت - ٦٢٠هـ) ﵀ قبل ابن تيمية ﵀ على هذه الدعوى، وناقشها، مبينًا أن مذهب الحنابلة هو: الإثبات مع التنزيه، وليس هو التشبيه والتجسيم.
وأما إن كان المراد بالتجسيم هو الإثبات مع التنزيه، فهذا شرف للحنابلة أن ينسب إليهم هذا الأمر، لكن تسمية ذلك تجسيمًا خطأ، فقال ﵀: (سمعت بعض أصحابنا يقول: سمعت قومًا يقولون: الحنابلة يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: فقلت لهم: يا قوم الله الله، إنكم لتنسبون إلى الحنابلة شيئًا ما يصلحون له، ولا يبلغون إليه، هذا قول الله ﷾: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
فجعلتموه قولًا للحنابلة، ورفعتم قدرهم حتى جعلتموهم أهلًا لذلك) (١) .
وبين ابن قدامة (ت - ٦٢٠هـ) ﵀ التجسيم الحقيقي وهو: حمل صفات الله ﷾ على صفات المخلوقين، وأن الحنابلة لا يقرون بذلك امتثالًا لقول الحق ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢) .
وبين ابن تيمية ﵀ سبب إطلاق هذا المصطلح على المثبتة، وخصوصًا على الحنابلة وهو: أنه لما راجت سوق نفاة الصفات في عهد الإمام أحمد بن حنبل (ت - ٢٤١هـ) ﵀، سموا من أثبت الصفات مجسمًا، وقالوا: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى ونحو ذلك. حينها قام الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀
(١) تحريم النظر في كتب الكلام ص٥٨.
(٢) انظر: تحريم النظر في كتب الكلام ص٥٨ - ٥٩.