بل إن هذا القرآن لو كان يفيض عن وجدانه، لكان يستطيع عند الحاجة أن يكتم شيئًا من ذلك الوجدان، ولو كان كاتمًا شيئًا لكتم أمثال هذه الآيات، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ [سورة التكوير الآية: ٢٤]) (١) .
وقد أقر بهذا الدليل بعض المستشرقين، مثل المستشرق (ليتنر) حيث قال: (مرة أوحى الله إلى النبي ﷺ وحيا شديد المؤاخذة؛ لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى، ليخاطب رجلا غنيا من ذوي النفوذ، وقد نشر ذاك الوحي، فلو كان محمد كاذبا -كما يقول أغبياء النصارى بحقه -لما كان لذلك الوحي من وجود) (٢) .
٥-موقف الرسول ﷺ من النص القرآني موقف المفسر الذي يتلمس الدلالات، ويأخذ بأرفق احتمالاتها:
(وأنت لو نظرت في هذه الذنوب التي وقع العتاب عليها، لوجدتها تنحصر في شيء واحد، وهو أنه (كان إذا ترجح بين أمرين ولم يجد فيهما إثمًا، اختار أقربهما إلى رحمة أهله وهداية قومه وتأليف خصمه، وأبعدهما عن الغلظة والجفاء، وعن إثارة الشبه في دين الله. لم يكن بين يديه نص فخالفه كفاحًا، أو جاوزه خطأ ونسيانًا، بل كل ذنبه أنه مجتهد بذل وسعه في النظر، ورأى نفسه مخيرًا فتخير. هَبْهُ مجتهدًا أخطأ باختيار خلاف الأفضل، أليس معذورًا ومأجورًا؟ على أن الذي اختاره كان هو خير ما يختاره ذو حكمه بشرية وإنما نبهه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية، هل ترى في ذلك ذنبًا
(١) النبأ العظيم، ص:٢٤.
(٢) دين الإسلام، للايتنر، ترجمة عبد الوهاب سليم (ص:١٣٢)، المكتبة السلفية، دمشق، ١٤٢٣هـ.، وذكر أن لايتنر هو باحث انجليزي حصل على أكثر من شهادة دكتوراة في الشريعة والفلسفة واللاهوت، زار الأستانة عام ١٨٥٤م.