185

Daʿāwāʾl-ṭāʿinīn fī al-Qurʾān al-karīm fī al-qarn al-rābiʿ ʿashar al-hijrī waʾl-radd ʿalayhā

دعاوى الطاعنين في القرآن الكريم في القرن الرابع عشر الهجري والرد عليها

Publisher

دار البشائر الإسلامية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م

Publisher Location

بيروت - لبنان

يستوجب عند العقل هذا التأنيب والتثريب؟ أم هو مقام الربوبية ومقام العبودية، وسنة العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب؟ .
توفي عبد الله بن أُبي كبير المنافقين، فكفنه النبي في ثوبه وأراد أن يستغفر له ويصلي عليه، فقال عمر ﵁: أتصلي عليه وقد نهاك ربك؟ فقال (: إنما خيرني ربي فقال ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيده على السبعين، وصلى عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تصل على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره﴾ [التوبة:٨٤] فترك الصلاة عليهم) (١)؛ اقرأ هذه القصة الثابتة برواية الصحيحين، وانظر ماذا ترى؟ إنها لتمثل لك نفس هذا العبد الخاضع، وقد اتخذ من القرآن دستورًا يستملي أحكامه من نصوصه الحرفية، وتمثل لك قلب هذا البشر الرحيم وقد آنس من ظاهر النص الأول تخييرًا له بين طريقين، فسرعان ما سلك أقربهما إلى الكرم والرحمة، ولم يلجأ إلى الطريق الآخر إلا بعد ما جاءه النص الصريح بالمنع. وهكذا كلما درست مواقف الرسول من القرآن في هذه المواطن أو غيرها، تجلى لك فيه معنى العبودية الخاضعة، ومعنى البشرية الرحيمة الرقيقة؛ وتجلى لك في مقابل ذلك من جانب القرآن معنى القوة التي لا تتحكم فيها البواعث والأغراض، بل تصدع بالبيان فرقانًا بين الحق والباطل، وميزانًا للخبيث والطيب، أحب الناس أم كرهوا، رضوا أم سخطوا، آمنوا أم كفروا، إذ لا تزيدها طاعة الطائعين ولا تنقصها

(١) متفق عليه (البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب قوله استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، رقم:٤٣٩٣، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر، رقم: ٢٤٠٠) .

1 / 194