للاستغراق، فالحمد كلُّه له إمّا ملكًا وإما استحقاقًا، فحمده لنفسه استحقاق، وحمد العباد له وحمدُ بعضهم لبعض ملكٌ له ... فالقائل إذا قال: الحمد لله تضمّن كلامه الخبر عن كلِّ ما يحمد عليه تعالى باسم جامع محيطٍ متضمّنٍ لكلّ فرد من أفراد الحمد المحققة والمقدَّرة، وذلك يستلزم إثبات كلِّ كمال يُحمد عليه الربُّ تعالى؛ ولهذا لا تصلح هذه اللفظة على هذا الوجه ولا تنبغي إلا لمن هذا شأنه وهو الحميد المجيد"١.
وإذا قيل: الحمد كلّه لله، فإنَّ هذا له معنيان:
أحدهما: أنّه محمودٌ على كلِّ شيء، وهو ما يُحمد به رسله وأنبياؤه وأتباعهم، فذلك من حمده ﵎، بل هو المحمود بالقصد الأول وبالذات، وما نالوه من الحمد فإنّما نالوه بحمده، فهو المحمود أوّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.
والمعنى الثاني: أن يُقال: لك الحمد كلّه؛ أي: التامّ الكامل هذا مختصٌّ بالله ليس لغيره فيه شركه.
قال ابن القيّم ﵀ بعد أن ذكر هذين المعنيين: "والتحقيق أنَّ له الحمد بالمعنيين جميعًا، فله عمومُ الحمد وكمالُه، وهذا من خصائصه - سبحانه -، فهو المحمود على كلِّ حال، وعلى كلِّ شيء أكمل حمد وأعظمه"٢.
فالحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحب ربُّنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعِزِّ جلاله بمجامع حمده كلِّها ما علمنا منها وما لم نعلم.
١ بدائع الفوائد لابن القيم (٢/٩٢، ٩٣) .
٢ طريق الهجرتين (ص:٢٠٦) .