فترجل بعض الفرسان وأحاطوا بالمصروع مستفسرين. وبعد هنيهة التفت أحدهم نحو الزعيم، وقال بصوت أجش لقد عانقت أصابعه الباردة قبضة السيف بشدة فمن العار أن أنزعه.
وقال آخر: لقد لبس السيف غمدًا من الدماء، فاختفى فولاذه.
وقال آخر: لقد تجمدت الدماء على الكف والقبضة، وأوثقت الشفرة بالزند فصيرتهما عضوًا واحدًا.
فترجل الزعيم، واقترب من القتيل قائلًا: أسندوا رأسه ودعوا أشعة القمر أن ترينا وجهه.
ففعلوا مسرعين، وبان وجه المصروع من وراء نقاب الموت، ظاهرة عليه ملامح البطش والبأس والتجلد، وجه فارس قوي يتكلم بلا نطق عن شدة رجوليته، وجه متأسف فرح، وجه من لقي العدو عابسًا، وقابل الموت باسمًا، وجه بطل لبناني حضر موقعة ذلك النهار ورأى طلائع الاستظهار، ولكنه لم يبق لينشد مع رفاقه أهازيج النصر.
ولما أزاحوا كوفيته، ومسحوا غبار المعمعة عن وجهه المصفر، ذعر الزعيم وصرخ متوجعًا: هذا ابن الصعبي فيا للخسارة. . .!
فردد القوم هذا الاسم متأوهين، ثم جمدوا في أماكنهم، كأن قلوبهم السكرى بخمرة النصر قد
فاجأها الصحو، فرأت أن خسارة هذا البطل هي أجسم من مجد التغلب وعز الانتصار. ومثل تماثيل قد أوقفهم هول المشهد وأيبس ألسنتهم فسكتوا، وهذا كل ما يفعله الموت في نفوس الأبطال، فالبكاء والنحيب حري بالنساء، والصراخ والعويل خليق