. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أدري سَلُوا أُمَّ سَلَمة». وبأنَّ ابن عباس، وعبد الرحمن بن أزْهر، والمِسْور بن مَخْرَمة لما أَرْسَلوا كُرَيبًا يَسْأَلُهَا عنهما قالت: «سَلْ أمّ سلمة»، وبأنَّها قالت: «ليس عندي صلاَّهما، ولكن أم سَلَمة حَدَّثَتْنِي: أنه صلاّهما عندها». فهذا يُعَارِض ما قبله، فلا يصحّ الاحتجاج به على عدم كراهتهما، كيف وقد كشفت هي مع أم سلمة عن حقيقة أمرهما. أما هي فروى مسلم عن أبي سلمة: «أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يُصَلِّيهما بعد العصر، فقالت: كان يُصَلِّيهما قبل العصر، ثم شُغِلَ عنهما، أو نَسِيَهما، فصلاَّهما بعد العصر، ثم أثْبَتَهما. وكان إذا صلّى صلاة أثْبَتَها»، يعني داوم عليها.
وروى أبو داود عن ذَكْوان - مولى عائشة - عنها: «أنها حَدَّثَتْه أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلّي بعد العصر، ويَنْهَى عنهما، ويُوَاصِلُ ويَنْهى عن الوِصَال». وأما أم سلمة فقالت: سمعت رسول الله ﷺ نهى عنهما، ثم رأيته يصليهما، فقيل له في ذلك فقال: «إنه أتانِي نَاسٌ من عبد القَيْس بالإسلام من قومِهم، فَشَغَلُوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان». رواه الشيخان والطَّحَاوِيّ، وفي لفظ له عنها أنها قالت: صلاَّهما رسول الله ﷺ عندي لم أرَه صلاَّهما قَبْلُ ولا بَعْدُ، فقلت يا رسول الله: ما سجدتان رَأَيْتُكَ صلّيتهما بعد العصر، ما صلَّيْتَهما قَبْلُ ولا بَعْدُ؟ فقال: «هما سَجْدَتَانِ كُنْتُ أُصلِّيهما بعد الظهر، فَقَدِمَ عليَّ قلائص (^١) من الصَّدقة، فَنَسِيتُهما حتى صَلَّيْتُ العصر، ثم ذَكَرْتُهما، فكَرِهْت أن أُصَلِّيهما في المسجد والناس يَرَوْنِي (^٢) فصليتهما عندك»، وفي رواية: قلت: يا رسول الله أفَنَقْضِيهما إذا فاتتا؟ قال: «لا». فَعُلُمَ من هذا كُلِّه أنَّ قضاءهما، ثم استمرار فِعْلِهِما كان من خصائصه ﷺ فلا يَحِلُّ لأحد التَشَبُّهَ به مع نَهْيهِ عنهما، كما في سائر خصائصه.
وأما كراهتهما بعد الغروب قبل صلاة المغرب، فلما فيه من تأخير صلاة المغرب. وعن الشافعية في الركعتين قبل المغرب وجهان: أشهرهما أنها لا تُسْتَحبُّ. وأصحُّهما: أنها تُسْتَحبُّ، لما في «صحيح مسلم» عن مختار بن فُلْفُل قال: سألت أنس بن مالك عن التطَوُّع بعد العصر، فقال: كان عمر يَضْرِبُ الأيدي على الصلاة بعد العصر، وكنا نصلّي علَى عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل المغرب، فقلت له: أكان رسول الله ﷺ يصلّيهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا ولم ينهنا.
(^١) قلائص: جَمْع قَلُوص، وهي الناقة الشابَّة. النهاية: ٤/ ١٠٠.
(^٢) في المخطوط والمطبوع: يرونه، والمثبت من شرح معاني الآثار للطحاوي: ١/ ٣٠٢.