170
السؤال (٢٨٩): فضيلة الشيخ، كنا نتحدث عن الأخطاء التي تقع من الحجاج في الطواف وأخذنا طرفًا منها، فهل لنا أن نسمع البقية؟
الجواب: هناك أخطاء أخرى يفعلها بعض الحجاج في الطواف غير التي سبق أن ذكرنا:
منها: الرمل في جميع الأشواط: مع أن المشروع أن يكون الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط؛ لأن النبي ﷺ إنما رمل هو وأصحابه في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، وأما الأربعة الباقية فيمشي على ما هو عليه، على عادته، وكذلك الرمل لا يكون إلا للرجال، وفي الطواف أول ما يقدم إلى مكة، سواء كان ذلك طواف قدوم أو طواف عمرة.
ومن الأخطاء أيضًا: أن بعض الناس يخصص كل شوط بدعاء معين، وهذا من البدع التي لم ترد عن رسول الله ﷺ ولا أصحابه، فلم يكن النبي ﷺ يخص كل شوط بدعاء، ولا أصحابه أيضًا، وغاية ما في ذلك: أنه ﷺ كان يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة: ٢٠١)، وقال ﵊: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله» (١) .
وتزداد هذه البدع خطأ، إذا حمل الطائف كتيبًا، كتب فيه لكل شوط دعاء وهو يقرأ هذا الكتيب، ولا يدري ماذا يقول؛ إما لكون جاهلًا باللغة العربية، ولا يدري ما المعنى، وإما لكونه عربيًا ينطق باللغة العربية ولكنه لا يدرى ما يقول، حتى إننا نسمع بعضهم يدعو بأدعية هي في الواقع محرفة تحريفًا بينًا، من ذلك أننا سمعنا من يقول: اللهم أغنني بحلالك عن حرامك، والصواب: بحلالك عن حرامك.
ومن ذلك: أننا نشاهد بعض الناس يقرأ هذا الكتيب، فإذا انتهى دعاء الشوط، وقف ولم يدع في بقية شوطه، وإذا كان المطاف خفيفًا، وانتهى الشوط قبل انتهاء الدعاء، قطع الدعاء.
ودواء ذلك: أن نبين للحجاج، بأن الإنسان في الطواف يدعو بماء شاء، وبما أحب، ويذكر الله تعالى بما شاء، فإذا بين للناس هذا زال الإشكال.
ومن الأخطاء أيضًا، وهو خطأ عظيم جدًا: أن بعض الناس يدخل في الطواف من باب الحجر، أي: المحجر الذي على شمال الكعبة، يدخل من باب الحجر، ويخرج من الباب الثاني في أيام الزحام، يرى أن هذا أقرب وأسهل؛ وهذا خطأ عظيم؛ لأن الذي يفعل ذلك لا يعتبر طائفًا بالبيت، والله تعالى يقول: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: ٢٩)، والنبي ﷺ طاف بالبيت من وراء الحجر، فإذا طاف الإنسان من داخل الحجر، فإنه يعتبر طائفًا بالبيت، فلا يصح طوافه، وهذه مسألة خطيرة، لا سيما إذا كان الطواف ركنًا؛ كطواف العمرة، وطواف الإفاضة.
ودواء ذلك: أن نبين للحجاج أنه لا يصح الطواف إلا بجميع البيت، ومنه الحجر.
وبهذه المناسبة أود أن أبين أن كثيرًا من الناس يطلقون على هذا الحجر اسم (حجر إسماعيل) والحقيقة: أن إسماعيل لا يعلم به، وأنه ليس حجرًا له، وإنما هذا الحجر حصل حين قصرت النفقة على قريش، حين أرادوا بناء الكعبة، فلم تكف النفقة لبناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فحطموا منها هذا الجانب، وحجروه بهذا الجدار، وسمي حطيمًا وحجرًا، وإلا فليس لإسماعيل فيه أي علم أو أي عمل.
ومن الأخطاء أيضًا: أن بعض الناس لا يلتزم بجعل الكعبة عن يساره، فتجده يطوف معه نساؤه، ويكون قد وضع يده مع يد زميله لحماية النساء، فتجده يطوف والكعبة خلف ظهره، وزميله الآخر يطوف والكعبة بين يديه، وهذا خطأ عظيم أيضًا؛ لأن أهل العلم يقولون: من شرط صحة الطواف أن يجعل الكعبة عن يساره، فإذا جعلها خلف ظهره، أو جعلها أمامه، أو جعلها عن يمينه وعكس الطواف، فكل هذا طواف لا يصح، والواجب على الإنسان أن يعتني بهذا الأمر، وأن يحرص على أن تكون الكعبة عن يساره في جميع طوافه.
ومن الناس: من يتكيف في طوافه حال الزحام، فيجعل الكعبة خلف ظهره أو أمامه لبضع خطوات من أجل الزحام، وهذا خطأ، فالواجب على المرء أن يحتاط لدينه، وأن يعرف حدود الله تعالى في العبادة قبل أن يتلبس بها، حتى يعبد الله تعالى على بصيره، وإنك لتعجب أن الرجل إذا أراد أن يسافر إلى بلد يجهل طريقها، فإنه لا يسافر إليها حتى يسأل ويبحث عن هذا الطريق، وعن الطريق السهل، ليصل إليها براحة وطمأنينة، وبدون ضياع أو ضلال، أما في أمور الدين، فإن كثيرًا من الناس مع الأسف يتلبس بالعبادة وهو لا يدري حدود الله تعالى فيها، وهذا من القصور، بل من التقصير، نسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين الهداية، وأن يجعلنا ممن يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله.
ومن الأخطاء في الطواف أيضًا: أن بعض الطائفين يستلم جميع أركان الكعبة الأربعة: الحجر الأسود، والركن اليماني، والركن الشامي، والركن العراقي، يزعمون أنهم بذلك يعظمون بيت الله ﷿، بل من الناس من يتعلق بأستار الكعبة من جميع الجوانب، وهذا أيضًا من الخطأ.
وذلك لأن المشروع: استلام الحجر الأسود وتقبيله إن أمكن، وإلا فالإشارة إليه.
أما الركن اليماني: فالمشروع استلامه بدون تقبيل إن تيسر، وإن لم يتيسر، فلا يشير إليه أيضًا؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ.
أما استلام الركن العراقي، وهو أول ركن يمر به بعد الحجر الأسود، والشامي، وهو الركن الذي يليه، فهذا من البدع، وقد أنكر عبد الله بن عباس ﵄ على معاوية بن أبي سفيان ﵄ استلام جميع الأركان، وقال له: لقد رأيت رسول الله ﷺ يستلم الركنين اليمانيين، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فقال معاوية ﵁: صدقت. ورجع إلى قول ابن عباس، بعد أن كان ﵁ يستلم الأركان الأربعة ويقول: ليس شيء من البيت مهجورًا (٢)
ومن الأخطاء في الطواف: رفع الصوت بالدعاء؛ فإن بعض الطائفين يرفع صوته بالدعاء رفعًا مزعجًا، يذهب الخشوع، ويسقط هيبة البيت، ويشوش على الطائفين، والتشويش على الناس في عباداتهم أمر منكر؛ فقد خرج النبي ﷺ على أصحابه ذات ليلة وهم يقرؤون ويجهرون بالقراءة في صلاتهم، فأخبرهم ﵊ بأن كل مصل يناجي ربه، ونهاهم أن يجهر بعضهم على بعض في القرآن أو في القراءة، قال: «لا يؤذين بعضكم بعضًا» (٣) .
ولكن بعض الناس- نسأل الله لنا ولهم الهداية - في المطاف يدعون ويرفعون أصواتهم بالدعاء، وهذا كما أن فيه المحذورات التي ذكرناها، وهي إذهاب الخشوع، وسقوط هيبة البيت، والتشويش على الطائفين؛ فهو مخالف لظاهر قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف: ٥٥) .
هذه الأخطاء التي سقناها في الطواف نرجو الله ﷾ أن يهدي إخواننا المسلمين لإصلاحها، حتى يكون طوافهم موافقًا لما جاء عن رسول الله ﷺ؛ فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ، وليس الدين يؤخذ بالعاطفة والميل، ولكنه يؤخذ بالتلقي عن رسول الله ﷺ.
ومن الأخطاء العظيمة في الطواف: أن بعض الناس يبتدئ من عند باب الكعبة، لا يبتدئ من الحجر الأسود، والذي يبتدئ من عند باب الكعبة، ويتم طوافه على هذا الأساس، لا يعتبر متما للطواف؛ لأن الله يقول: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: ٢٩)، وقد بدأ النبي ﷺ من الحجر الأسود، وقال للناس: «لتأخذوا عني مناسككم» (٤) . وإذا ابتدأ من عند الباب أو من دون محاذاة الحجر الأسود ولو بقليل، فإن هذا الشوط الأول الذي ابتدأه يكون لاغيًا؛ لأنه لم يتم، وعليه أن يأتي ببدله إن ذكر قريبًا، وإلا فليعد الطواف من أوله.
والحكومة السعودية- وفقها الله- قد وضعت خطا بنيا ينطلق من حذاء قلب الحجر الأسود إلى آخر المطاف، ليكون علامة على ابتداء الطواف، والناس من بعد وجود هذا الخط صار خطؤهم في هذه الناحية قليلًا، لكنه يوجد من بعض الجهال، وعلى كل حال فعلى المرء أن ينتبه لهذا الخطأ، لئلا يقع في خطر عظيم من عدم تمام طوافه.

(١) تقدم تخريجه (٣٢٧)
(٢) أخرجه البخاري، ولفظه: «... وكان معاوية يتسلم الأركان، فقال له ابن عباس ﵄: إنه لا يستلم هذان الركنان. فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا» . وأما الرواية التي ذكرت أن معاوية رضي اله عنه رجع إلي قول ابن عبس وقال له: صدقت، فقد أخرجها أحمد في «المسند» (١/٢١٧) وذكرها الحافظ في «الفتح» (٣/٥٥٣) وعزاها لأحمد وسكت عليها..
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب التطوع، باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، رقم (١٣٣٢)، وأحمد في «المسند» (٣/٩٤) .
(٤) تقدم تخريجه (٣٢٥)

1 / 335