Hadaiq Wardiyya
============================================================
التي خلقها الله عز وجل من لؤلوة بيضاء، فشق فيها أنهارها، وغرس فيها أشجارها، وأظل عليها بالتضيج من ثمارها، وكبسها بالعواتق من جورها، ثم أسكنها أوليآءه وأهل طاعته - فإن فاتك يا أحنف ما ذكرت لك لترفلن في سرابيل القطران، ولتطوفن بينها ويين حميم آن، فكم يومئذ في النار من صلب محطوم، ووجه مشؤم(1)، ولورأيت وقد قام مناد ينادي: يا أهل الجنة ونعيمها، وحليها وحللها، خلودا ولا موت، ثم يلتفت إلى أهل النار فيقول: يا أهل النار، يا أهل السلاسل والأغلال، خلودا ولا موت، فعندها انقطع رجاؤهم، وتقطعت بهم الأسباب، فهذا ما أعد الله عز وجل للمجرمين، وذلك ما أعد الله عز وجل للمتقين. ورويتا بالاسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن عليا عتالتام سمع رجلا يذم الدنيا فأطنب في ذمها، فصرخ به علي فقال: هلم أيها الذام للدنيا، فلما أتاه قال له ي : أيها الذام للدنيا ويحك لم تذمها؟ أنت المجترم عليها أم هي المجترمة عليك؟ فقال : بل أنا المجترم عليها يا أمير المؤمنين، قال : ويحك فيم تذمها؟ أليست منزل صدق لمن صدقها؟ ودار غنا لمن تزود منها؟ ودار عافية لمن فهم عنها؟ مسجد أحبآء الله عز وجل، ومهبط وحيه، ومصلى ملآئكته، ومتجر أوليآئه، اكتسبوا فيها الرحمة، وريحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت يبينها، ونادت بانقطاعها، ومثلت ببلآثها البلآء، وشوقت بسرورها إلى السرور؟
راحت بفجيعة، وابتكرت بعافية، بتحذير وترغيب وتخويف، فذمها رجال غداة الندامة، حدثتهم قلم يصدقوا، وذكرتهم فلم يذكروا، وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا، وحدثتهم فصدقوا. فأيها الذام للدنيا، المغتر بتغريرها، متى استذمت اليك؟ بل متى غرتك؟ أبمضاجع آبائك من البلى؟ أم بمصارع أمهاتك تحت الثرى؟
كم عللت بيدك؟ وكم مرضت بكفك؟ تلتمس له الشفاء، وتستوصف له (1)في (6): موسوم.
(132)
Page 145