122

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

للميدان مناظراً بالقول، فأرهفت المناظرة قواه، وزادته إيماناً بقضاياه، فإن المناظرة تنير السبيل في فكر المناظر، وقد تهديه إلى حقائق، ما كان ليهتدي إليها وهو في هدأة التفكير والتجرد النفسي، فإن احتكاك الأفكار المتضاربة يولق بينها برقاً منيراً.

١٣١- ولماذا تصدى هو للجهاد الفكري عن الإسلام في الداخل والخارج في عصره؟ وتحمل العبء وحده، وجعل حياته سلسلة من المجاهدة والمصابرة؟ الجواب عن ذلك أن هذا فرض كفاية، وفروض الكفاية تستمد قوة الفرضية فيها من المواهب والقوى؛ فكلما كان الشخص موهوباً في أمر يتصل بفرض كفائي كان الوجوب عليه أشد، والطلب منه ألزم؛ فمعالجة المرضى ومحاربة الأوبئة لازمة وفرض كفاية، ولكنها على الأطباء ألزم، ويتعينون لأدائها؛ وعلى غيرهم أن يوفر لهم ما يحتاجون إليه في سبيل القيام بواجبهم وهكذا... وقد كان ابن تيمية له مواهب، ومدارك علمية ليست في غيره من علماء عصره، فكلهم أو جلهم إلا تلاميذه ومن قبسوا منه قد انصرفوا إلى التقليد، والاتباع لبعض الأئمة، يدرسون الفقه، ولكن على مذهب لا يتجاوزونه ويتعصبون له، ويدرسون علم الكلام، ولكن على طريقة الأشعري والماتريدي، وإن درسوا بعض العلوم الفلسفية فبالقدر الذي يعين على دراسة العقائد كما يقررها الأشعري، وهكذا في كل العلوم يحصلون ولا يتصرفون، ويأخذونها من نافذة واحدة، ولا يفتحون غيرها من النوافذ لتغيير الهواء الفكري الذي يتنفسونه، وما كان لمن نهج على هذا أن يغلب في جدال، أو ينتصر في نزال فكري.

أما ابن تيمية فقد اتسع أفق ما درس، وفتح النوافذ كلها، وأتى له المتنفس الفكري من كل جانب؛ فكان بطلها المرجى في هذا الجهاد الفكري؛ وكأن الله سبحانه وتعالى قد بعثه في ذلك العصر ليكون درقة الإسلام، يتقى بها غارات الملحدين في دين الله، وغارات المهاجمين له الذين لا يريدون به إلا خبالا. ويبغون الفتنة، وفي الربوع الإسلامية سماعون لهم.

121