123

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

فكان ذلك باعثاً آخر على أن ينصرف ذلك الرجل العظيم إلى العلم وحده؛ ويجد حسبته الدينية التي عليه أداؤها أن يقف للمهاجمين للإسلام في كل مرصد.

١٣٢- وإنه في دراساته الحرة التي لم يبلغ بها سوى الشرع في صميمه، وكما نزل على النبي، وعمله على إزالة الأغشية التي غشيته بفعل العصور، وتوالي الجمود على أفكار لم تستق من ينابيعه - في هذه الدراسة تعرض لمخالفة علماء المسلمين وفرق معتدلة لم تكن مغالية، أو لم تكن مبتدعة، ثم تعرض لمخالفة الصوفية، فانبثق عليه البثق الكبير من ثلاث نواح: من ناحية أنصار الأشعري والماتريدي، ثم من ناحية الصوفية الذين كانوا يشعوذون، وإن لم يكن في قلوبهم ونياتهم الكيد للإسلام، ثم من ناحية الفقهاء الذين خرج عليهم بآراء فقهية لم يكن لهم بها عهد. فكان كل أولئك مخالفين منازعين على مودة في أحيان قليلة، وعلى عداوة في أكثر الأحيان.

ناظر كل طائفة من هذه الطوائف؛ وجادلها بالقول في المجالس الحافلة وبالرسائل يرسلها قوية بالحجة الدامغة. وقد كانت لهذه المناظرات أدوار ثلاثة: فالدور الأول كان خصومة من الأشاعرة عندما جهر بعقيدته في الحموية، فقد أثاروها عليه حرباً حكومية يحاولون حسابه بالحبس والتقييد، وقد نالوا منه. حبسوه نحو ثمانية عشر شهراً، ثم أثارها هو عليهم حرباً كلامية، حتى أثبت للملأ أن عقيدته هي عقيدة السلف الصالح، وبين نظره في ذلك بياناً وافياً، سنعرض له بالإيضاح والفحص عند الكلام في تفصيل آرائه.

حتى إذا سكنت هذه الحال جاء الدور الثاني عندما أعلن رأيه في مذهب الاتحاد الصوفي الذي كان عليه ابن العربي وابن الفارض وابن سبعين وغيرهم، وهاجمه هجوماً عنيفاً، كشأنه في محاربة الآراء التي يجدها دخيلة على الإسلام، ليس بينه وبينها وشائج قريبة أو بعيدة، وإدخالها عليه يفسده ويخلطه على أهله، ولم يمتنع من المجاهرة برأيه مع أنه يعلم أن الشيخ نصر المنبجي زعيم الصوفية بمصر

122