162

Al-ḥaḍāra al-islāmiyya ususuha wa-wasāʾiluha wa-ṣuwar min taṭbīqāt al-muslimīn laha wa-lamaḥāt min taʾthīriha fī sāʾir al-umam

الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم

Publisher

دار القلم

Edition

الأولى المستكملة لعناصر خطة الكتاب ١٤١٨هـ

Publication Year

١٩٩٨م

Publisher Location

دمشق

Regions
Syria
ومن ذلك قول إبراهيم ﵇ لقومه فيما حكى الله عنه في سورة "العنكبوت: ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول":
﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ .
فالرزق مطلب من مطالب الجسد، وابتغاؤه عند الله الفعال لما يريد عمل قلبي لا يؤثر على النشاط الجسدي المادي أي تأثير سلبي، وهذا الابتغاء صورة من صور المثاليات المطلوبة لأنها يسيرة التنفيذ.
ثالثًا: المثالية في نشدان الكمال في الأعمال
أما المثالية في نشدان الكمال في الأعمال، فهي القوة المحرضة في داخل الإنسان، التي تجعله يتطلع باستمرار إلى الانتقال من واقع النقص الذي هو فيه إلى ما هو أفضل منه وأحسن وأدنى إلى الكمال.
ومع هذا التطلع تنمو حوافز الترقية والتحسين، ومن راء ذلك تأتي المحاولات التنفيذية.
وفي أجواء التنافس بين الأفراد مع التحريض الإسلامي على التحسين تتنامى الصورة الحضارية العامة، التي تعذيها باستمرار قوى الدفع الإسلامي إلى القمم الحضارية المثلى.
ولما كان الناس يختلفون في تصوراتهم لأعمال الخير المثالية، وربما يحصرون المثالية في مجال منها، غافلين أو متغافلين عن المجالات الأخرى، وربما يرفعون الأعمال الناقصة أو غير ذات الشأن الكبير إلى مرتبة المثالية كان من روائع الإسلام أنه قدم في تعاليمه الصورة المثالية لأعمال الخير، وعرض في حياة الرسول صلوات الله عليه نموذجًا حيًّا لهذه المثالية.
ثم لم يجعل الإسلام هذه الصورة المثالية أمرًا مفروضًا على كل إنسان، وإنما جعلها هدفًا أسمى، يتنافس المتنافسون في التسابق إليه، أما الصورة

1 / 186