130

Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام

Publisher

دار القاسم

Publication Year

1427 AH

الاعتقاد، لا على جهة الاستهزاء فيكون للمشركين على الله الحجة، وكفى بهذا القول فساداً وبطلاناً.

الفرقة الثانية: جعلت هذه الآيات حجة لها في إبطال القضاء والقدر والمشيئة العامة، إذ لو صحت المشيئة العامة وكان الله قد شاء منهم الشرك والكفر وعبادة الأوثان لكانوا قد قالوا الحق وكان الله يصدقهم عليه ولم ينكر عليهم، فحيث وصفهم بالخرص الذي هو الكذب ونفى عنهم العلم دل على أن هذا الذي قالوه ليس بصحيح وأنهم كاذبون فيه، إذ لو كان علماً لكانوا صادقين في الإخبار به، ولم يقل لهم ((قل هل عندكم من علم)) وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجة لها على التكذيب بالقضاء والقدر، وزعمت بها أن يكون في ملكه ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون، وأنه لا قدرة له على أفعال عباده من الإنس والجن والملائكة ولا على أفعال الحيوانات، وأنه لا يقدر أن يضل أحداً ولا يهديه ولا يوفقه أكثر مما فعل به، ولا يعصمه من الذنوب والكفر، ولا يلهمه رشده، ولا يجعل في قلبه الإِيمان، ولا هو الذي جعل المصلي مصلياً، والبربراً والفاجر فاجراً، والمؤمن مؤمناً، والكافر كافراً، بل هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك، فهذه الفرقة شاركت الفرقة التي قبلها في إلقاء الحرب والعداوة بين الشرع والقدر، فالأولى تحيزت إلى القدر وحاربت الشرع، والثانية تحيزت إلى الشرع وكذبت القدر. والطائفتان ضالتان وإحداهما أضلّ من الأخرى.

والفرقة الثالثة: آمنت بالقضاء والقدر وأقرت بالأمر والنهي ونزلوا كل واحد منزلته، فالقضاء والقدر يؤمن به ولا يحتج به، والأمر والنهي يتمثل ويطاع، فالإِيمان بالقضاء والقدر عندهم من تمام التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بالأمر والنهي موجبُ شهادة أنَّ محمداً رسول الله ﷺ، وقالوا: من لم يقرّ بالقضاء والقدر، ويقم بالأمر والنهي فقد كذب الشهادتين وإن نطق بهما بلسانه، ثم افترقوا في وجه هذه الآيات فرقتين: فرقة قالت إنما أنكر عليهم استدلالهم بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك، فجعلوا مشيئته له وتقديره له دليلا على رضاه به ومحبته له، إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينه وبينهم، فإن الحكيم إذا كان قادراً على دفع ما يكرهه ويبغضه دفعه ومنع من وقوعه، وإذا لم يمنع من وقوعه لزم إما عدم قدرته وإما عدم حكمته وكلاهما ممتنع في حق الله، فعلم محبته لما نحن عليه

128