131

Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام

Publisher

دار القاسم

Publication Year

1427 AH

من عبادة غيره ومن الشرك به، وقد وافق هؤلاء من قال إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها ولكن خالفهم في أنه نهى عنها وأمر بأضدادها ويعاقب عليها فوافقهم في نصف قولهم وخالفهم في الشطر الآخر، وهذه الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين وأن مشيئة الله - تعالى - العامة وقضاءه وقدره لا تستلزم محبته ورضاه لكل ما شاءه وقدره وهؤلاء المشركون لما استدلوا بمشيئته على محبته ورضاه كذبهم وأنكر عليهم وأخبر أنه لا علم لهم بذلك وأنهم خارصون مفترون فإن محبة الله للشيء ورضاه به إنما يعلم بأمره على لسان رسوله لا بمجرد خلقه فإنه خلق إبليس وجنوده وهم أعداؤه وهو سبحانه يبغضهم ويلعنهم وهم خلقه، فهكذا في الأفعال خلق خيرها وشرها وهو يحب خيرها ويأمر به ويثيب عليه ويبغض شرها وينهى عنه ويعاقب عليه، وكلاهما خلقه ولله الحكمة البالغة التامة في خلقه ما يبغضه ويكرهه من الذوات والصفات والأفعال كلٌّ صادر عن حكمته وعلمه كما هو صادر عن قدرته ومشيئته.

وقالت الفرقة الثانية: إنما أنكر عليهم معارضةَ الشرع بالقدر ودفعَ الأمر بالمشيئة فلما قامت عليهم حجة الله ولزمهم أمره ونهيه دفعوه بقضائه وقدره، فجعلوا القضاء والقدر إبطالاً لدعوة الرسل ودفعاً لما جاؤوا به، وشاركهم في ذلك إخوانُهم وذريتهم الذين يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصي والذنوب في نصف أقوالهم وخالفوهم في النصف الآخر وهو إقرارهم بالأمر والنهي.

فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام وورث كل قوم أئمتهم وأسلافهم، إما في جميع تركتهم وإما في كثير منها، وإما في جزء منها وهدى الله بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض بل آمنوا بقضاء الله وقدره ومشيئته العامة النافذة، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف أراد، وأنه هو الذي جعل المؤمن مؤمناً والمصلي مصلياً والمتقي متقياً وجعل أئمة الهدى يهدون بأمره وأئمة الضلالة يدعون إلى النار وأنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها وأنه يهدي من يشاء بفضله ورحمته ويضل من يشاء بعدله وحكمته وأنه هو الذي وفق أهل الطاعة لطاعته فأطاعوه ولو شاء لخذلهم فعصوه وأنه حال بين الكفار وقلوبهم فإنه يحول بين المرء

129