141

Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام

Publisher

دار القاسم

Publication Year

1427 AH

قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، وقال تعالى في الشيطان ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]، وأخبر عنه أنه أقسم بعزة ربه أنه يغوي عباده أجمعين واستثنى أهل الإِخلاص منهم وأخبر سبحانه عن أولياء الشيطان أنهم إذا فعلوا فاحشة احتجوا بتقليد أسلافهم وزعموا أن الله سبحانه أمرهم بها فاتبعوا الظن الكاذب والهوى الباطل.

قال شيخنا: وفي هذا الوصف نصيب كبير لكثير من المنتسبين إلى القبلة من الصوفية والعباد والأمراء والأجناد والمتفلسفة والمتكلمين والعامة وغيرهم: يستحلون من الفواحش ما حرمه الله ورسوله ظانِّين أن الله أباحه أو تقليداً لأسلافهم وأصله العشق الذي يبغضه الله، فكثير منهم يجعله دينا ويرى أنه يتقرب به إلى الله إما لزعمه أنه يزكي النفس ويهذبها، وإما لزعمه أنه يجمع بذلك قلبه على آدمي ثم ينقله إلى عبادة الله وحده، وإما لزعمه أن الصور الجميلة مظاهرُ الحق ومشاهده ويسميها مظاهر الجمال الأحَدِي وإما لاعتقاده حلول الرب فيها واتحاده بها ولهذا تجد بين نساك هؤلاء وفقرائهم وأمرائهم وأصحابهم توافقاً وتآلفاً على اتخاذ أنداد من دون الله يحبونهم كحب الله إما تديُّناً وإما شهوة وإما جمعاً بين الأمرين، ولهذا يتألفون ويجتمعون على السماع الشيطاني الذي يهيج الحب المشترك فيهيج من كل قلب ما فيه من الحب. وسبب ذلك خلو القلب مما خلق له من عبادة الله - تعالى - التي تجمع محبته وتعظيمه والخضوع والذل له والوقوف مع أمره ونهيه ومحابه ومساخطه، فإذا كان في القلب وجدان حلاوة الإيمان وذوق طعمه أغناه ذلك عن محبة الأنداد وتأليهها وإذا خلا القلب من ذلك احتاج إلى أن يستبدل به ما يهواه ويتخذه إلهه وهذا من تبديل الدين وتغيير فطرة الله التي فطر عليها عباده قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي نفس خلق الله لا تبديل له فلا يخلق الخلق إلا على الفطرة كما أن خلقه للأعضاء على السلامة من الشق والقطع ولا تبديلٍ لنفس هذا الخلق ولكن يقع التغيير في المخلوق بعد خلقه كما قال النبي ﷺ: ((كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم

139