71

Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام

Publisher

دار القاسم

Publication Year

1427 AH

والعكوف عنده واعتياد قصده وانتيابه ونهي أن يجعل كالعيد الذي إنما يكون في العام مرة أو مرتين، فكأنه قال: لا تجعلوه بمنزلة العيد الذي يكون من الحول إلى الحول واقصدوه كل ساعة وكل وقت، وهذا مراغمة ومحادة لله ومناقضة لما قصده الرسول ﷺ وقلب للحقائق ونسبة الرسول ﷺ إلى التدليس والتلبيس بعد التناقض، فقاتل الله أهل الباطل أنَّى يؤفكون، ولا ريب أنَّ مَن أمر الناس باعتياد أمر وملازمته وكثرة انتيابه بقوله: ((لا تجعلوه عيداً)) فهو إلى التلبيس وضد البيان أقرب منه إلى الدلالة والبيان فإن لم يكن هذا تنقيصاً فليس للتنقيص حقيقة فينا، كمن يرمي أنصار الرسول ﷺ وحزبه بدائه ومصابه وينسلَّ كأنه بريء، ولا ريب أن ارتكاب كل كبيرة بعد الشرك أسهل إثماً وأخف عقوبةً من تعاطي مثل ذلك في دينه وسنته، وهكذا غيرت ديانات الرسل، ولولا أنَّ الله أقام لدينه الأنصار والأعوان الذَّابِّين عنه لجرى عليه ما جرى على الأديان قبله، ولو أراد رسول الله ﷺ ما قاله هؤلاء الضُّلال لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد ويلعن فاعل ذلك، فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها، فكيف يأمر ملازمتها والعكوف عندها وأن يعتاد قصدها وانتيابها ولا تجعل كالعيد الذي يجيء من الحول إلى الحول؟ وكيف يسأل ربه أن لا يجعل قبره وثناً يعبد؟ وكيف يقول أعلم الخلق بذلك ولولا ذلك: لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجداً؟ وكيف يقول: ((لا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليَّ حيثما كنتم))؟ وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء الضلال الذين جمعوا بين الشرك والتحريف؟ وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين - رضي الله عنهما - نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره واستدلّ بالحديث وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده علي - رضي الله عنهما - وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضلال وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد ورأى أن ذلك من اتخاذه عيداً.

قال شيخنا: فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط . [إغاثة اللهفان ١/ ١٩٣]

69