76

Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام

Publisher

دار القاسم

Publication Year

1427 AH

سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال ولا يمدح به، وإنما يمدح الرب تبارك وتعالى بالعدم إذا تضمن أمراً وجودياً كتمدحه بنفي السِّنة والنوم المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال الصمدية وغناه، ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيءٍ عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته، ولهذا لم يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمراً ثبوتياً، فإنَّ المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فلو كان المراد بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارِ﴾ أنه لا يُرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار، والرب - جل جلاله - يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض، فإذاً المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به كما كان المعنى في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١] أنه يعلم كل شيء وفي قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُغُوبٍ﴾ أنه كامل القدرة وفي قوله: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ أنه كامل العدل وفي قوله: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ أنه كامل القيومية فقوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارِ﴾ يدل على غاية عظمته وأنه أكبر من كل شيء وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به فإن الإدراك هو الإِحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلاَّ﴾ [الشعراء: ٦٠ -٦١] فلم ينف موسى الرؤية و لم يريدوا بقولهم ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ إنا لمرئيون فإن موسى - صلوات الله وسلامه عليه - نفى إدراكهم إياهم بقوله ﴿ كَلاَّ﴾ و أخبر الله - سبحانه و تعالى - أنه لا يخاف دركهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَ تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]، فالرؤية والإِدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك كما يعلم ولا يحاط به، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية. قال ابن عباس ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ لا تحيط به الأبصار، قال

74