Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
ابتدأهم عليها، يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء إلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم غير إيمانهم واعتقادهم، قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة وألفاظ المبتدئ، وكأنه قال يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاء والسعادة وغير ذلك مما يصير إليه وقد فطر عليه، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ -٣٠]، وروى بإسناده إلى ابن عباس: قال لم أدر ما فاطر السماوات والأرض حتى أتانا أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها وذكر دعاء عليٌّ: اللهم جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها.
قال شيخنا: حقيقةً هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم الله أنه صائر إليه، ومعلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة فجميع البهائم مولودة على ما سبق في علم الله لها والأشجار مخلوقة على ما سبق في علم الله وحينئذ فيكون كل مخلوق قد خلق على الفطرة، وأيضا فلو كان المراد ذلك لم يكن لقوله: ((فأبواه يهودانه)) معنى، فإنَّهما فعلا به ما هو الفطرة التي وُلد عليها، وعلى هذا القول فلا فرق بين التهويد والتنصير وبين تلقي الإِسلام وتعليمه وبين تعلم سائر الحرف والصنائع، فإن ذلك كله واحد فيما سبق به العلم، وأيضا فتمثيله ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء ثم جدعت تبين أن أبويه غيَّرا ما وُلد عليه، وأيضا فقوله: ((على هذه الملة)) وقوله ((إنِّي خلقت عبادي حنفاء)) مخالف لهذا، وأيضاً فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإِنسان فإنه من حين كان جنيناً إلى ما لا نهاية له من أحواله على ما سبق في علم الله فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيص بلا مخصص، وقد ثبت في الصحيح أنه قيل حين نفخ الروح فيه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فلو قيل كل مولود ينفخ فيه الروح على الفطرة لكان أشبه بهذا المعنى مع أن النفخ هو بعد الكتابة.
٢٢ - رد شيخ الإسلام على من فسروا الفطرة بالقدر:
قال شيخنا: أصل مقصود الأئمة صحيح وهو منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر.
لكن لا يحتاج مع ذلك أن يفسر القرآن والحديث إلا بما هو مراد الله ورسوله
90