Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
على الكفر، ولكن بما عرض لها من الفساد خرجت عن هذه الفطرة، فهذا القول قد يقال: لا يرد عليه ما يرد على القول الذي قبله فإن صاحبه يقول في الفطرة قوة تميل بها إلى المعرفة والإِيمان كما في البدن السليم قوة يحب بها الأغذية النافعة وبهذا كانت محمودة وذم من أفسدها، لكن يقال فهذه الفطرة التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية: هل هي كافية في حصول المعرفة أو تقف المعرفة على أدلة من خارج؟ فإن كانت المعرفة تقف على أدلة من خارج أمكن أن يوجد تارة ويعدم أخرى ثم ذلك السبب يمتنع أن يكون موجبا للمعرفة بنفسه، بل غايته أن يكون معرفا ومذكرا فعند ذلك إن وجب حصول المعرفة كانت واجبة الحصول عند وجود ذلك الأسباب، وإلا فلا وحينئذ فلا يكون فيها إلا قبول المعرفة والإِيمان، وحينئذ فلا فرق فيها بين الإيمان والكفر والمعرفة والإِنكار، إنما فيها قوة قابلة لكلٍّ منهما واستعداد له لكن يتوقف على المؤثر الفاعل من خارج، وهذا هو القسم الأول الذي ابطلناه وبينا أنه ليس في ذلك مدح للفطرة واما إن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها وإن لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة فيها بدون ما يسمعه من الأدلة سواء قيل: إنَّ المعرفة ضرورية فيها أو قيل: إنها تحصل بأسباب تنتظم في النفس وإن لم يسمع كلام مستدل فإن النفس قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما يحتاج معه إلى كلام الناس، فإن كان كل مولود يولد على هذه الفطرة لزم ان يكون المقتضي للمعرفة حاصلاً لكل مولود وهو المطلوب والمقتضي التام مستلزم مقتضاه فتبين أن أحد الأمرين لازم إما كون الفطرة مستلزمةً للمعرفة وإما استواء الأمرين بالنسبة إليها وذلك ينفي مدحها.
وتلخيص ذلك أن يقال: المعرفة والإِيمان بالنسبة إليها ممكن بلا ريب فإما ان تكون هي موجبة مستلزمة لذلك وإما أن لا تكون مستلزمة له فلا يكون واجباً لها، فإن كان الثاني لم يكن فرق بين الكفر والإيمان بالنسبة إليها، أو كلاهما ممكن لها فثبت أنَّ المعرفة لازمة لها إلا أن يعارضها معارض، فإن قيل: ليست موجبة مستلزمة للمعرفة ولكن هيّئ إليها الميل مع قبولها للنكرة، قيل: فحينئذ إذا لم تستلزم المعرفة وجدت تارة وعدمت تارة، وهي وحدها لا تحصلها، فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين فيكون الإسلام والتهويد والتنصير والتمجيس، ومعلوم أن هذه أنواع بعضها أبعد عن الفطرة من بعض كالتمجس فإن لم تكن الفطرة مقتضيةً
94