Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
فمن لم يعلم شيئا استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار.
قال أبو عمر: هذا القول أصحّ ما قيل في معنى الفطرة التي تولد الولدان عليها، وذلك أن الفطرة السلامة والاستقامة بدليل قوله تعالى في حديث عياض بن حمار: ((إني خلقت عبادي حنفاء)) يعني على استقامة وسلامة، وكأنه والله أعلم أراد الذين خلصوا من الآفات كلها والمعاصي والطاعات فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم يعملوا بواحدة منهما، ومن الحجة أيضا في هذا قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] ومن لم يبلغ وقت العمل يبرهم بشيء قال تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥].
قال شيخنا: هذا القائل إن أراد بهذا القول أنهم خُلقوا خالين من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرةُ تقتضي واحداً منهما، بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان والكفر وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر، وهذا هو الذي يُشعر به ظاهرُ الكلام فهذا قول فاسد لأنه حينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار والتهويد والتنصير والإِسلام، وإنما ذلك بحسب الأسباب فكان ينبغي أن يقال فأبواه يسلمانه ويهودانه وينصرانه ويمجسانه، فلما ذكر أن أبويه يكفرانه وذکر الملل الفاسدة دون الإسلام علم أن حكمه في حصول ذلك بسبب منفصل عن حكم الكفر، وأيضا فإنه على هذا التقدير لا يكون في القلب سلامة ولا عطب ولا استقامة ولا زيغ إذ نسبته إلى كلٌّ منهما نسبة واحدة وليس هو بأحدهما بأولى منه بالآخر كما أن اللوح قبل الكتابة لا يثبت له حكم مدح ولا ذم فما كان قابلا للمدح والذم على السواء لم يستحق مدحاً ولا ذماً والله تعالى يقول ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّيْنِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] فأمره بلزوم فطرته التي فطر الناس عليها، فكيف لا تكون ممدوحة؟ وأيضا فإن النبي ﷺ شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق، وشبه ما طرأ عليها من الكفر بجدع الأنف والأذن، ومعلوم أنَّ كمالهما محمود ونقصهما مذموم فكيف تكون قبل النقص لا محمودة ولا مذمومة.
ب۔ فصل:
وإن كان المراد بهذا القول ما قاله طائفة من العلماء أن المراد أنهم ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تُركت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار والإيمان
93