111

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

وشيءٌ غير موجَّهٍ، وكذلك في كلامه ودعواه ببطلان الكلِّ؛ أما الذي هو غير موجَّه فهو قوله: أنَّ النَّهي كان في صلاة لا سبب لها وهذا غير صحيح، لأنَّ النَّهي عام وتخصيصه بالصلاة الَّتي لا سبب لها تخصيص بلا مخصص وهذا باطل، وقد استقصينا الكلام فيه فيما مضى.
وأمَّا الذي هو غير موجَّه من كلام الكِرْماني فهو قوله: لأنَّ الأصل عدم الاختصاص وهذا غير صحيح على إطلاقه، لأنَّه إذا قام الدليل على الاختصاص فلا يُنكر، وههنا قد قامت دلَّائل من الأحاديث وأفعال الصحابة في أنَّ هذا الذي صلَّى ﵇ بعد العصر كان من خصائصه، وقد ذكرناها فيما مضى.
وقول الكِرْماني وصلاته ﵇ بعد العصر كانت مستمرة، يردُّه دعواه عدم التخصيص، إذ لو لم يكن من خصائصه لأمر بقضائها إذا فاتت، ولم يأمر ذلك، ألا ترى في حديث أمِّ سلمة المذكور قالت: (قُلْتُ يا رَسُوْلَ اللهِ أفنقضيهما إذا فاتَتَا؟ قَالَ: لا) فدلَّ ذلك على أن حكم غيره فيهما إذا كانتا خلاف حكمه، فليس لأحد أن يصلِّيهما بعد العصر، وههنا شيء آخر يلزمهم وهو أنَّه ﵇ يداوم عليهما، وهم لا يقولون به في الأصحِّ الأشهر، فإن عورضوا يقولون هذا من خصائص رسول الله ﷺ، ثمَّ في الاستدلال بالحديث يقولون الأصل عدم التخصيص، وهذا كما يقال فلان مثل الظليم، يستحمل عند الاستطارة، ويستطير عند الاستحمال.
وقوله: ليس التشبُّه بهم غير صحيح فإنَّ حديث أبي أمامة على التشبُّه بهم، وهو الذي رواه مسلم وفيه: «فقلت يا رسول الله أخبرني عن الصَّلاة قال: صلِّ الصُّبح ثمَّ اقصرْ عَنِ الصَّلاة حِينَ تَطْلُعُ الشَّمس حتَّى ترْتَفعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَينَ قَرْنَي الشَّيطان وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكفَّارُ» الحديث؛ وفيه أيضًا: «فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَينَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ»، والشارع أخبر بأنَّ الشَّيطان يحاذي الشَّمس بقرنيه عند الطلوع وعند الغروب، والكفار يسجدون لها حينئذ، فنهى الشَّارع عن الصَّلاة في هذين الوقتين حتَّى لا يكون المصلُّون فيهما كالساجدين لها، وقوله: والقول والفعل إذا تعارضا يقدم القول ليس على إطلاقه، فإنَّ أحدهما إذا كان حاظرًا والآخر مبيحًا يقدم الحاظر على المبيح سواء كان قولًا أو فعلًا فافهم. انتهى.
قلت: وفيما قاله العَيني شيء غير موجه دعاه إليه الدفع عن مذهبه، وقد أجبنا عنه فيما تقدَّم، وهو أنَّ الاختصاص إنَّما هو المداومة لا أصل القضاء، وأنَّ الحديث المروي عن أم سلمة في النَّهي عن قضاء الركعتين إذا فاتتا ضعيف والله أعلم. انتهى.
(٣٤) (بَابُ التَّبْكِيْرِ فِي الصَّلاة فِي يَوْمِ غَيْمٍ) أي هذا باب في بيان التبكير أي المبادرة والإسراع إلى الصَّلاة في اليوم الذي فيه الغيم، خوفًا من وقوعها خارج الوقت.
٥٩٤ - قوله: (حَدَّثَنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ) أي بضمِّ الميم وفتح الفاء، ترجمته في باب النَّهي عن الاستنجاء باليمين.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي المتقدِّم.
قوله: (عَنْ يَحْيَى) هو ابن كثير، ترجمته في كتاب العلم.
قوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي بكسر القاف، هو عبد الله بن زيد الجَرميِّ، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.
قوله: (أَنَّ أَبَا المَلِيْحِ حَدَّثَهُ) أي عامر بن أسامة الهذلي، ترجمته في باب إثم من ترك العصر.
قوله: (قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ) أي بضمِّ الباء الموحَّدة، ابن الحُصَيب -بضمِّ الحاء المهملة وفتح الصَّاد المهملة- الأَسْلَمي، ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين وفيه العنعنة في موضعين وفيه القول في ثلاثة مواضع، وفيه التَّحديث بصيغة الإفراد من الماضي في موضع.
قوله: (كُنَّا فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ بِكِّرُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ).
هذا الحديث بعينه قد مرَّ في باب إثم من ترك العصر، غير أن هناك رواه عن مسلم بن إبراهيم عن هشام إلى آخره نحوه، وفيه لفظة زائدة، وهي: (كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ)، وقد استقصينا الكلام فيه هناك، فإن قلت: الترجمة في التبكير في الصَّلاة المطلقة في يوم الغيم، والحديث لا يطابقها من وجهين: أحدهما: أنَّ المطابقة لقول بريدة لا للحديث. والثاني: أن المذكور في الحديث صلاة العصر، وفي الترجمة مطلق الصلاة.
قال العَيني: دلَّت القرينة على أنَّ قول بُرَيدة: (بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ) كان في وقت دخول العصر في يوم غيم، فأمر بالتبكير حتَّى لا يفوتهم بخروج الوقت بتقصيرهم في ترك التبكير، وهذا الفعل كتركهم إيَّاها في استحقاق الوعيد، ويفهم إشارته أنَّ بقيَّة الصَّلوات كذلك، لأنَّها مستوية الإقدام في الفرضيَّة، فحينئذ يفهم التطابق بين الحديث والترجمة بطريق الإشارة لا بالتصريح. انتهى. وقال شيخنا: من عادة البخاري أن يترجم ببعض ما يشتمل عليه لفظ الحديث، ولو لم يوردها بل ولو لم يكن على شرطه فلا إيراد عليه. ورُوِّينا في سنن سعيد بن مَنْصور عن عبد العزيز بن رُفَيع قال: «بلغَنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: عَجِّلُوا صَلَاةَ العَصْرِ فِي يَوْمِ الغَيْمِ» إسناده قوي مع إرساله؛ قال العَيني: ليس هنا ما يشتمل على الترجمة من لفظ الحديث ولا من بعضه، وكيف لا يورد عليه إذا ذكر ترجمة ولم يورد عليها شيئًا، ولا فائدة في ذكر الترجمة عند عدم الإيراد بشيء. انتهى. قال شيخنا: في هذا الكلام مع ما فيه من القلق غفلة عما أوردته من رواية الإسماعيلي أي المذكورة، وكان العَيني لغلبة محبَّة الاعتراض لا يتأملَّ جميع الكلام والله المستعان. انتهى.
فإن قلت: ما فائدة ذكر بريدة الحديث الذي فيه العصر مع أنَّ غيره مثله؛ قال العَيني: كان أمره بالتبكير في وقت العصر كما ذكرنا وإلا فغيره مثله، وقد روى الأوزاعي من طريق أخرى عن يحيى بن أبي كثير بلفظ: «بَكِرُوا بِالصَّلَاةِ فِي يَوْم الغَيْم فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الفجْرِ حَبطَ عَمَلُهُ»؛ وأما فائدة تعيين العصر في الحديث فقد ذكرناه. انتهى.
قال شيخنا: المراد بالتبكير المبادرة إلى الصَّلاة في أوَّل الوقت وأصل التبكير فعل الشيء بكرة، والبكرة أوَّل النَّهار، ثمَّ استعمل في فعل الشيء في أوَّل وقته، وقيل: المراد تعجيل العصر وجمعها مع الظهر، ورُوي ذلك عن عُمَر قال: (إِذَا كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ فَأَخِّرُوا الظُّهْرَ وَعَجِّلُوا العَصْر). انتهى.
(٣٥) (بَابُ الأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ) أي هذا باب في بيان

1 / 111