Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
قال العَيني: وهذا بالإجماع، وشذَّ اللَّيث فمنع من ذلك، ويردُّ عليه هذا الحديث وحديث الوادي. انتهى.
قال شيخنا: مع أنَّ اللَّيث أجاز صلاة الجمعة جماعة إذا فاتت، والإقامة للصلاة الفائتة. انتهى. وفيه ما كان النَّبِيُّ ﷺ عليه من مكارم الأخلاق، وحسن التأنِّي مع أصحابه وبالفهم، وما ينبغي الاقتداء به في ذلك؛ قلت: جواز النسيان عليه في الفرائض إذا قلنا: إنَّه ترك الصَّلاة نسيانًا، وقد صرَّح بذلك كما سيأتي في قوله: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ). انتهى. وفيه دليل على عدم كراهة من يقول ما صلِّيت، وروى البخاري عن ابن سيرين: إنَّه كره أن يقال: فاتتنا وليقل لم يدرك، وقال البخاري: وقول النَّبِيِّ ﷺ أصحُّ.
وفيه احتجاج من يرى امتداد وقت المغرب إلى مغيب الشَّفق، لأنَّه قدَّم العصر عليها، ولو كان ضيِّقًا لبدأ بالمغرب لئلَّا يفوت وقتها أيضًا، قال العَيني: وهو حجَّة على الشَّافعي في قوله الجديد في وقت المغرب إنَّه مضيَّق. انتهى.
قلت: ليس فيه حجَّة عليه ﵁، فإنَّه يمكن أن يصلِّي بعد غروب الشَّمس العصر والمغرب وتكون المغرب أداءً، يعلم ذلك من يعرف من مذهبه ما يضيع وقت المغرب على الجديد من الأفعال. انتهى.
وفيه وجوب الترتيب بين الصَّلاة الوقتية والفائتة، وهو قول النَّخَعي والزُّهْرِي وربيعة ويحيى الأنصاري واللَّيث، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأحمد وإسحاق، وهو قول عبد الله بن عُمَر.
وقال طاوس: الترتيب غير واجب، وبه قال الشَّافعي وأبو ثور وابن القاسم وسَحْنُون، وهو مذهب الظاهريَّة.
ومذهب مالك: وجوب الترتيب كما قلنا، ولكن لا يسقط بالنسيان، ولا بضيق الوقت، ولا بكثرة الفوائت، كذا في شرح «الإرشاد»؛ وفي شرح «المجمع»، والصحيح المعتمد عليه من مذهب مالك سقوط الترتيب بالنسيان، كما نطقت به كتب مذهبه.
وعند أحمد: لو تذكَّر الفائتة في الوقتيَّة يتمُّها، ثمَّ يصلِّي الفائتة، ثمَّ يعيد الوقتيَّة، وذكر بعض أصحابه إنَّها تكون نافلة، وهذا يفيد وجوب الترتيب. وعند زُفَر: من ترك صلاة شهر بعد المتروكة لا تجوز الحاضرة. وقال ابن أبي ليلى: من ترك صلاة لا يجوز صلاة سنة بعدها.
واستدلَّ «صاحب الهداية» وغيره في مذهب الحنفيَّة بما رواه الدَّارَقُطْني ثمَّ البَيْهَقي في سننهما عن ابن عُمَر ﵄ قال: «قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذكرهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ فليتمَ صلَاتَهُ، فَإِذا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فليُعِدِ الَّتي نَسِيَ، ثمَّ ليعدِ الَّتي صلَّاها مَعَ الإِمَام»، وقال الدَّارَقُطْني: الصحيح إنَّه من قول ابن عُمَر، لذا رواه مالك عن ابن عُمَر من قوله، وقال عبد الحقِّ وقد وقفه سعيد بن عبد الرحمن، ووثَّقه يحيى بن معين، قال العَيني: وأخرجه أبو حَفْص بن شاهين مرفوعًا، واستدلَّ أيضًا من يرى بوجوب الترتيب بقوله ﵇: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ»، قال أبو بكر هو باطل، وتأوَّله جماعة على معنى لا نافلة لمن عليه فريضة، وقال ابن الجَوْزي: هذا نسمعه على ألسنة النَّاس وما
عرفنا له أصلًا، وقال إبراهيم الحَرْبي: قيل لابن حنبل: ما معنى قوله: ﵇ لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلِيْهِ صَلَاةٌ؟ قال لا أعرف هذا البتَّة. انتهى.
وقال شيخنا: الأكثر على وجوب الترتيب مع الذكر لا مع النسيان، وقال الشافعي: لا يجب الترتيب فيها، واختلفوا فيما إذا تذكَّر فائتة في وقت حاضرة ضيِّق هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة؟ أو يبدأ بالحاضرة؟ أو يتخيَّر؟ فقال بالأوَّل مالك، وقال بالثاني الشَّافعي وأصحاب الرأي وأكثر أصحاب الحديث، وقال بالثالث أَشْهَب. وقال عياض: محلُّ الخلاف إذا لم تكثر الصَّلوات الفوائت، فأمَّا إذا كثرت فلا خلاف إنَّه يبدأ بالحاضرة. واختلفوا في حدِّ القليل فقيل: صلاة يوم، وقيل أربع صلوات. انتهى.
واستُدِلَّ به على عدم مشروعية الأذان للفائتة، وأجاب من اعتبره بأن المغرب كانت حاضرة، ولم يذكر الرَّاوي الأذان لها، وقد عُرِفَ من عادته ﵇ الأذان للحاضرة، فدلَّ على أنَّ الرَّاوي ترك ذكر ذلك، لا إنَّه لم يقع في نفس الأمر؛ وتعقِّب باحتمال أن يكون المغرب لم يتهيَّأ إيقاعها إلَّا بعد خروج وقتها على رأي من يذهب إلى القول بتضييقه، وعكس ذلك بعضهم، فاستدلَّ بالحديث على أن وقت المغرب مُتَّسِع لأنَّه قدَّم العصر عليها، ولو كان ضيِّقًا لبدأ بالمغرب، ولا سيَّما قول الشَّافعي في قوله بتقديم الحاضرة، وهو الذي قال بأن وقت المغرب ضيِّق، فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث، وهذا في حديث جابر، وأمَّا حديث أبي سعيد فلا يأتي فيه هذا لما تقدَّم أن فيه: (أنَّه صلَّى بعدَ مُضي بِهَوِيٍّ مِنَ الليلِ) والله أعلم. انتهى. قلت: وفيه ذكر القصص الَّتي فيها معرفة الأحكام الشرعيَّة.
وفيه ذكر ما يقع للمرء في أمر دينه لمن يُقتدَى به، ليعلم ما عليه في ذلك مع إظهار المشقَّة عليه من ذلك. انتهى.
(٣٧) (بَابُ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذّا ذَكَرَ) ولا يعيد إلَّا تلك الصلاة: أي هذا باب يذكر فيه أنَّ من نسي صلاة حتَّى خرج وقتها فليصلِّها إذا ذكرها، ولا يعيد إلَّا تلك الصلاة: أي يقضيها، وفي بعض النسخ ولا يعد، والفرق بينهما أن الأوَّل نفي، والثاني نهي.
قال شيخنا: قال علي بن المنيِّر: صرَّح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوَّة دليله، ولكونه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر، فمن قضى الفائتة كَمُلَ عدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب، لقول الشارع: فليصلِّها، ولم يذكر زيادة، وقال أيضًا: لا كفارة لها إلَّا ذلك، فاستُفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها.
قوله: (وَقَاَل إِبْرَاهِيْمُ) أي النَّخَعي، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.
قوله: (مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ واحدةً عشرينَ سنةً لَمْ يُعِدْ إلَّا تِلكَ الصَّلاة الوَاحِدَةَ) مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة لأنَّ قوله: (مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ)، أعمُّ من أن يكون ذكره إيَّاها بعد النسيان بعد شهر أو سنة أو أكثر من ذلك، وقيده بعشرين سنة للمبالغة، والمقصود أنَّه لا يجب عليه إلَّا إعادة الصَّلاة
1 / 116