115

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

من تصريف الرواة. وهل يسيغ الرُّواة بالمعنى مثل هذا أو لا؟، الظَّاهر الجواز لأن المقصود الإخبار عن صلاته العصر كيف وقعت، لا الإخبار عن عُمَر هل تكلَّم بالراجحة أو المرجوحة. انتهى. قال اليعمري: وإذا تقرر أنَّ معنى كاد المقاربة، فقول عُمَر: مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ حتَّى كَادَتِ الشَّمس تَغْرُبُ، معناه: أنَّه صلَّى العصر قرب غروب الشَّمس، لأنَّ نفي الصَّلاة تقتضي إثباتها وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فيحصل من ذلك لعمر ثبوت الصَّلاة ولم يثبت الغروب. انتهى.
وقال الكِرْماني: لا يلزم من هذا السِّياق وقوع الصَّلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أنَّ لا تقع الصَّلاة لأنَّه يقتضي أن كيدودته كانت عند كيدودتها؛ قال: وحاصله عرفًا ما صلِّيت حتَّى غربت الشمس. انتهى.
قال شيخنا: ولا يخفى ما بين التقريرين من الفرق، وما ادَّعاه من الفرق ممنوع وكذلك العنديَّة، للفرق الذي أوضحه اليَعْمري من الإثبات والنَّفي، لأنَّ كاد إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت، كما قال فيها اليَعْمري ملغزًا: وإذا نفيت والله أعلم أثبتت، وإن أثبتت قامت مقام جحود؛ هذا إلى ما في تعبيره بلفظ كيدودة من الثقل والله الهادي إلى الصواب. انتهى.
قال العَيني: كلُّ ذلك لا يشفي العليل، ولا يروي الغليل، والتحقيق في هذا المقام أنَّ كاد إذا دخل عليه النَّفي فيه ثلاثة مذاهب:
الأوَّل: إنَّها كالأفعال إذا تجرَّدت من النَّفي كان معناه إثباتًا، وإن دخل عليها نفي كان معناها نفيًا، لأن قولك كاد زيد يقوم معناه إثبات قرب القيام لا إثبات نفس القيام، فإذا قلت: ما كاد زيد يفعل فمعناه نفي قرب الفعل.
الثاني: إنَّه إذا دخل عليها النَّفي كانت للإثبات.
الثالث: إذا دخل عليها حرف النَّفي نُظِرَ هل دخل على الماضي أو على المستقبل؟ فإن كان ماضيًا فهي للإثبات، وإن كان مستقبلًا فهي كالأفعال؛ والأصحُّ هو المذهب الأوَّل، نصَّ عليه ابن الحاجب، وإذا تقرر هذا فكاد ههنا دخل عليه النَّفي فصار معناه نفيًا يعني نفي قرب الصَّلاة، كما في قولك ما كاد زيد يفعل نفى قرب الفعل.
وقوله: (حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ) حال من النَّفي، فهي كسائر الأفعال؛ وقول اليَعْمري يشير إلى المذهب الثالث وهو غير صحيح، ولا يمشي هنا أيضًا؛ فإن قلت: قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] يساعد المذهب الثالث، لأنَّ كاد ههنا دخل عليها النَّفي وهو ماض فاقتضى الإثبات، لأنَّ فعل الذَّبح واقع بلا شكٍّ، قال العَيني: ليس فعل الذَّبح مستفادًا من كاد بل من قوله: ﴿فَذَبَحُوْهَا﴾ والمعنى فذبحوها مجبرين، وما قاربوا فعل الذَّبح مختارين، أو تقول: فذبحوها بعد التراخي وما كادوا يفعلون على الفور، بدليل أنَّهم سألوا سؤالًا بعد سؤال، ولم يبادروا إلى الذَّبح من حين أُمروا به. انتهى.
قال شيخنا: فإن قيل الظَّاهر أن عُمَر كان مع النَّبِيِّ ﷺ، فكيف اختُصَّ بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشَّمس بخلاف بقيَّة الصحابة، والنَّبِيُّ ﷺ
معهم، فالجواب: أنَّه يحتمل أن يكون الشغل وَقَعَ بالمشركين إلى غروب الشمس، وكان عُمَر حينئذ متوضِّأً فبادر، فأوقع الصَّلاة، ثمَّ جاء النَّبِيُّ ﷺ فأعلمه بذلك، في الحال الذي كان النَّبِيُّ ﷺ فيها قد شرع يتهيَّأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء.
وقد اختلف في سبب تأخير النَّبِيِّ ﷺ الصَّلاة ذلك اليوم، فقيل: كان ذلك نسيانًا، واستبعد أن يقع ذلك من الجميع، ويمكن أن يستدلَّ له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى المغرب يوم الأحزاب فلما سَلَّمَ قال: هَلْ عَلِمَ رَجُلٌ مُسلِمٌ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، فصلَّى الْعَصْرَ ثمَّ صلَّى المَغْرِبَ» وفي صحَّة هذا الحديث نظر، لأنَّه مخالف لما في الصحيحين من قوله: (ﷺ لعُمَرَ: وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا»، ويمكن الجمع بينهما بتكلُّف. انتهى. قلت: هو أن يقال أن قوله هذا كان بعد أن سأل، وقالوا له: لا يا رسول الله. انتهى.
وقيل كان عمدًا، لأنَّهم شغلوه فلم يمكنوه من ذلك وهو أقرب؛ لا سيَّما وقد وَقَعَ عند أحمد والنَّسائي من حديث أبي سعيد: أنَّ ذلك كان قبل أن يُنزل الله في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؛ وقد اختُلِفَ في هذا الحكم هل نسخ أو لا؛ كما سيأتي في صلاة الخوف إن شاء الله تعالى. قال العَيني: اليوم لا يجوز تأخيرها عن وقتها بل نصلِّي صلاة الخوف وكان ذاك الاشتغال عذرًا في التأخير لأنَّه كان قبل نزول صلاة الخوف. انتهى.
قوله: (بُطْحَانَ) بضمِّ الباء الموحدة وسكون الطاء، وقيل بفتح أوَّله وكسر ثانيه، حكاه أبو عُبَيْد اليَشْكُري وهو وادٍ بالمدينة.
قوله: (فَصَلَّى العَصْرَ): أي صلاة العصر، ووَقَعَ في «الموطأ» من طريق أخرى أنَّ الذي فاتهم الظهر والعصر، وفي حديث أبي سعيد الخُدْري الذي ذكرناه عن قريب: الظهر والعصر والمغرب؛ وفي لفظ للنَّسائي: حُبسنا في صلاة الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، وعند التِّرْمِذي من حديث أبي عُبَيْدَة عن أبيه «أنَّ المشركين شغلُوا النَّبِيَّ ﷺ عنْ أربعِ صلواتٍ يومَ الخندقِ» الحديث.
قال شيخنا: وفي قوله: (أربع) يجوز لأنَّ العشاء لم تكن فاتت. انتهى. قال العَيني: معناه أنَّ العشاء فاتته عن وقتها الذي كان يصلِّيها فيه غالبًا، وليس معناه إنَّها فاتته عن وقتها المعهود؛ وقال ابن العَرَبي: الصحيح أنَّ الصَّلاة الَّتي شغل عنها واحدة وهي العصر، ويؤيِّد ذلك ما رواه مسلم من حديث علي ﵁: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاة الوُسْطَى صَلَاةِ العَصْرِ»؛ قال ابن العَرَبي: ومنهم من جمع بأنَّ الخندق كانت وقعته أيَّامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيَّام، قال وهذا أولى.
فيه جواز سبِّ المشركين، ولكن المراد ما ليس بفاحش، إذ هو اللائق بمنصب عُمَر ﵁.
وفيه جواز الحلف من غير استحلاف، اذا ثبت على ذلك مصلحة دينيَّة؛ وقال النَّوَوي: هو مستحبٌّ إذا كان فيها مصلحة من توكيد الأمر، أو زيادة طمأنينة، أو نفي توهُّم نسيان، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة؛ وإنَّما حلف النَّبِيُّ ﷺ تطييبًا لقلب عُمَر لما شقَّ عليه تأخيرها، وقيل: يحتمل أنَّه تركها نسيانًا لاشتغاله بالقتال، فلمَّا قال عُمَر ذلك تذكَّر، وقال: (واللهِ مَا صَلِّيْتُهَا)، وفي رواية مسلم: «والله إن صلِّيتها»، وإن بمعنى (ما)، وفيه أنَّ الظَّاهر إنَّه صلَّاها بجماعة، فيكون فيه دلالة على مشروعيَّة الجماعة في الفائتة،

1 / 115