129

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

كيف يطابق الترجمة، والترجمة في بدء الأذان، والحديث يدلُّ على أنَّه ﵇ أمر بلالًا بالنداء للصلاة، والنداء لا يفهم منه الأذان المعهود بالكلمات المخصوصة؟ قال العَيني: المراد بالنداء الأذان المعهود، ويدلُّ عليه أنَّ الإسماعيلي أخرج هذا الحديث، ولفظه فأذِّن بالصلاة، وكذا قال أبو بكر بن العَرَبي: إنَّ المراد الأذان المشروع. فإن قلت: قال القاضي عياض: المراد الإعلام المحض بحضور وقتها، لا خصوص الأذان المشروع، قال العَيني: يحمل أنَّه استند في ذلك على ظاهر اللفظ، ولئن سلَّمنا ما قاله، فالمطابقة بينهما موجودة باعتبار أنَّ أمره ﵇ لبلال بالنِّداء للصَّلاة كان بدء الأمر في هذا الباب فإنه لم يسبق أمر بذلك قبله، بل إنَّما قال ذلك ﵇ بعد تحينهم للصَّلاة وتشاورهم فيما بينهم، ماذا يفعلون في الإعلام بالصَّلاة.
هذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن محمَّد بن رافع عن عبد الرزَّاق وعن إِسْحاق بن إبراهيم وعن هارون بن عبد الله، وأخرجه التِّرْمِذي فيه عن أبي بكر بن أبي النَّضر، وأخرجه النَّسائي فيه عن محمَّد بن إسماعيل وإبراهيم بن الحسن.
قوله: (أنَّ ابنَ عُمَر كانَ يَقُولُ) وفي رواية مسلم، عن عبد الله بن عُمَر، إنَّه قال.
قوله: (حَيْنَ قَدِمُوا المَدِيْنَةَ) أي من مكَّة مهاجرين.
قوله: (فَيَتَحَيَّنُوْنَ) -بالحاء المهملة- أي يقدرون تحينها ليأتوا إليها، وهو من التحين من باب التفعل، الذي وضع للتكلُّف غالبًا، والتحين من الحين وهو الوقت والزَّمن.
قوله: (لَيْسَ يُنَادَى لَهَا) أي للصلاة وهو على بناء المفعول، فهو بفتح الدَّال، وقال ابن مالك: هذا شاهد على جواز استعمال ليس حرفًا، لا اسم لها ولا خبرًا، أشار إليها سيبويه، ويحتمل أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبر، ورواية مسلم تؤيِّد ذلك، فإن لفظة ليس ينادى بها أحد.
قوله: (فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ) قال شيخنا: لم يقع في تعيين المتكلِّمين في ذلك، واختصر الجواب في هذه الرواية، ووَقَعَ لابن ماجَهْ من وجه آخر، عن ابن عُمَر: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَشَارَ النَّاس لِمَا يَجْمَعُهُمْ إِلَى الصَّلاة، فَذَكَرُوا البُوقَ فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ اليَهُودِ، ثمَّ ذَكَرُوا النَّاقُوسَ فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ النَّصَارَى) وقد تقدَّمت رواية روح بن عطاء نحوه، وفي الباب عن عبد الله بن زيد عند أبي الشيخ، وعن أبي عُمَير بن أَنَس عن عمومته عند سعيد بن منصور.
قوله: (اتَّخَذُوا) على صورة الأمر.
قوله: (بُوقًا) أي قال بعضهم: اتخذوا بوقًا -بضمِّ الباء الموحَّدة وبعد الواو الساكنة قاف- وهو الذي يُنفخ فيه، ووَقَعَ في بعض النُّسخ بل قرنًا، وهي رواية مسلم والنَّسائي، والبوق والقرن معروفان، والمراد إنَّه ينفخ فيه فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود، ويسمَّى أيضًا الشَبُّور -بفتح الشين المعجمة وضمِّ الباء الموحدة المثقَّلة- قلت: وللنَّصارى أيضًا شيء من نحاس على صفة القلقل، يجعلونه في أعلى موضع في الكنيس أو الدير، وفيه حبل يهزونه به في الأوقات الَّتي يجتمعون فيها في كنائسهم. انتهى.
قوله: (فَقَالَ عُمَر
﵁: أَوَلَا تَبْعَثُونَ) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدَّر، أي أتقولون بموافقتهم ولا تبعثون، وقال الطِّيبي: الهمزة إنكار للجملة الأولى أي المقدَّرة، وتقرير للجملة الثانية.
قوله: (رَجَلًا) زاد الكُشْمِيهَني: <مِنْكُمْ>.
قوله: (يُنَادِي) جملة فعليَّة مضارعة في محلِّ النَّصب على الحال من الأحوال المقدَّرة، وقال القُرْطُبي: يحتمل أن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه، وصدَّقه النَّبِيُّ ﷺ، بادر عُمَر ﵁ فقال: أولا تبعثون رجلًا ينادي، أي يؤذِّن بالرؤيا المذكورة، فقال النَّبِيُّ ﷺ: (قُمْ يَا بِلَالُ)، فعلى هذا فالفاء في قوله: (فَقَالَ عُمَرُ) فاء الفصيحة، والتقدير: فافترقوا فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النَّبِيِّ ﷺ فقصَّ عليه فصدَّقه، فقال عمر: أو لا تبعثون. انتهى. هذا يصرِّح أن معنى قوله ﵇: (يَا بِلَالُ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)، أي فأذِّن بالرؤيا المذكورة، قال شيخنا: وسياق [حديث] (^١) عبد الله بن زيد يخالف ذلك فإنَّ فيه: لما قصَّ رؤياه على النَّبِيِّ ﷺ، قال له: أَلْقِهَا عَلَى بِلَال فَلْيُؤَذِّنْ بِهَا قال: فسمعَ عُمَر الصَّوت فخرجَ فأتى النَّبِيَّ ﷺ، فقال: لقدْ رأيتُ مثلَ الذي رأى. فدلَّ على أن عُمَر لم يكن حاضرًا لما قصَّ عبد الله بن زيد رؤياه، والظاهر أن إشارة عُمَر بإرسال رجل ينادي بالصلاة كانت عقب المشاورة فيما يتعلَّق به، وأنَّ رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك، والله أعلم.
قال القاضي عياض: المراد الإعلام المحضُّ بحضور وقتها لا خصوص الأذان المشروع، قال شيخنا: وأغرب القاضي أبو بكر بن العَرَبي فحمل قوله: (أذَّن) على الأذان المشروع فطعن في صحَّة حديث ابن عمر، وقال: عجبًا لأبي عيسى كيف صحَّحه، والمعنى ورد أن يشرع الأذان إنَّما كان برؤيا عبد الله بن زيد. انتهى. فلا تُدفع الأحاديث الصحيحة بمثل هذا مع إمكان الجمع كما قدَّمناه، وقد قال ابن مَندَه في حديث ابن عُمَر: إنَّه مجمع على صحَّته.
قال العَيني: أما حديث عبد الله بن زيد فأخرجه أبو داود حدَّثنا محمَّد بن مَنْصور الطُّوسي حدَّثنا يعقوب حدَّثنا أبي عن محمَّد بن إِسْحاق حدَّثني محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمي عن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربُّه حدَّثني أبي عبد الله بن زيد قال: «لما أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالناقوس ليعمل ليضرب به النَّاس لجمع الصَّلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع النَّاقوس؟ قال: وما يصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصَّلاة، قال: أفلا أدلُّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى، قال: فقال: تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله أشهد أن محمَّدًا رسول الله، حيَّ على الصَّلاة حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح

(^١) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من فتح الباري وعمدة القاري.

1 / 129