131

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

به لأنَّه الأذان المشتمل على التوحيد في ابتدائه وانتهائه، وهي مناسبة حسنة في اختصاص بلال، إلَّا أنَّ هذا الموضع ليس هو محلُّها.
وفيه دليل على مشروعية طلب الأحكام من المعاني المستنبطة، دون الاقتصار على الظَّواهر، وفيه منقبة ظاهرة لعُمَر بن الخطَّاب ﵁، وفيه مشروعية التَّشاور في الأمور المهمة، وإنَّه ينبغي للمتشاورين أن يقول كلٌّ منهم ما عنده، ثمَّ صاحب الأمر يفعل ما فيه المصلحة، وفيه التحين لأوقات الصَّلوات، قلت: وفيه كراهية التشبيه بأهل الكتاب، وفيه الردُّ على المستشار إذا أخطأ، وفيه أنَّ رؤيا المؤمن حقٌّ، وفيه الاستحياء ولو كان في حقٍّ.
فوائد: منها الاستشكال في إثبات الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، لأنَّ رؤيا غير الأنبياء لا يُبنى عليها حكم شرعي، والجواب: مقارنة الوحي لذلك، وقد تقدَّم من الأحاديث ما يدلُّ على ذلك، قال شيخنا: أو لأنَّه أمر بمقتضاهما لينظر أيقرَّ على ذلك أم لا، سيَّما لما رأى سعد دخول الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده ﵇ في الأحكام، وهو المقصود في الأصول ويؤيِّد الأوَّل ما رواه عبد الرزَّاق وأبو داود في «المراسيل» من طريق عُبَيْد ابن عُمَير التَّيمي أحد كبار التَّابعين أن عُمَر ﵁ لما رأى الأذان جاء يخبر النَّبِيَّ ﵇، فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلَّا أذان بلال، فقال له النَّبِيُّ ﵇ سبقك بذلك الوحي، هذا أصحُّ مما حكى الدَّاوُدي: أنَّ جبريل أتى النَّبِيَّ بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد بثمانية أيَّام، والله أعلم.
ومنها الترجيع في الأذان، وهو أن يرجع فيرفع صوته بالشهادتين بعدما خفض بهما، وبه قال الشَّافعي ومالك، إلَّا أنَّه لا يأتي بالتكبير في أوَّله إلَّا مرَّتين، وقال أحمد: إن رجع فلا بأس به، وإن لم يرجع فلا بأس به، وقال أبو إِسْحاق من أصحاب الشافعي: إنَّه إن ترك الترجيع يعتدُّ به، وحكى عن بعض أصحابه أنَّه لا يعتدُّ به، كما لو ترك سائر كلماته، كذا في «الحلية»، وفي «شرح الوجيز»، والأصحُّ إن ترك الترجيع لم يضرُّه، وحجَّة الشَّافعي حديث أبي محذورة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَد أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاة، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ.، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللهُ» رواه الجماعة إلَّا البخاري من حديث عبد الله بن مُحَيريز عن أبي مَحذُورَة، قال العَيني: وحجَّة أصحابنا ــ أي الحنفيَّة ــ حديث عبد الله بن زيد من غير ترجيع فيه، وكان حديث أبي مَحذُورَة لأجل التعليم، فكرره فظنَّ أبو مَحذُورَة أنَّه ترجيع وأنَّه في أصل الأذان. وروى الطَّبَرَاني في «معجمه الأوسط» عن أبي مَحذُورَة أنَّه قال: «أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ [الأَذَانَ] (^١) حَرْفًا حَرْفًا: اللهُ أَكْبَرُ...» إلخ. ولم يذكر فيه ترجيعًا، وأذان بلال بحضرة رسول الله ﷺ سفرًا وحضرًا، وهو مؤذِّن رسول الله بإطباق أهل الإسلام

(^١) ليس في الأصل، والإضافة من عمدة القاري.
إلى أن توفي رسول الله ﷺ ومؤذِّن أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ إلى أن توفي من غير ترجيع.
ومنها قال العَيني: أنَّ التكبير في أوَّل الأذان مربَّع، على ما في حديث أبي مَحذُورَة، رواه مسلم وأبو عَوانة والحاكم، وهو المحفوظ عن الشَّافعي من حديث ابن زيد ﵁، وقال أبو عُمَر: ذهب مالك وأصحابه إلى أنَّ التكبير في أوَّل الأذان مرَّتين، قال: وقد روي ذلك من وجوه صحاح في أذان أبي مَحذُورَة، وأذان ابن زيد، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك، في آل سعد القَرَظ إلى زمانهم، قال العَيني: الذي ذهبنا إليه هو أذان الملك الباري من السماء. انتهى.
ومنها في أذان الفجر الصَّلاة خير من النَّوم مرَّتين بعد الفلاح، روى الطَّبَرَاني في «معجمه الكبير» بإسناده عن بلال: «أنَّه أتى النَّبِيَّ ﷺ يؤذنه بالصبح، فوجده راقدًا فقال: الصَّلاة خير من النَّوم مرَّتين، فقال النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَحْسَنَ هَذَا يَا بِلَال، اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ» وأخرجه الحافظ أبو الشيخ في كتاب الأذان له عن ابن عُمَر قال: «جاء بلال إلى النَّبِيِّ ﷺ يؤذنه بالصُّبْح، فوجده قد أغفى، فقال: الصَّلاة خير من النَّوم، فقال له: اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ إِذَا أَذَّنْتَ للصُّبْحِ فجعل بلال يقولها إذا أذَّن للصُّبْح» ورواه ابن ماجَهْ من حديث سعيد بن المُسَيَّب عن بلال: «أنَّه أتى النَّبِيَّ ﷺ يؤذِّنه بصلاة الفجر، فقيل: هو نائم، فقال: الصَّلاة خير من النَّوم الصَّلاة خير من النَّوم»، فأُقرَّت في تأذين الفجر وخصَّ الفجر به لأنَّه وقت نوم وغفلة.
ومنها معاني كلمات الأذان، ذكر ثعلب أنَّ أهل العربيَّة اختلفوا في معنى أكبر، فقال أهل اللَّغة: معناه كبير، واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] معناه: وهو هيِّن عليه، وكما في قول الشاعر:
تمنَّى رجال أن أموت وإن أمت... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أي لست فيها بواحد، وقال الكِسائي والفرَّاء وهشام: معناه أكبر من كلِّ شيء، فحذفت (من) كما في قول الشاعر:
إذا ما ستور البيت أُرخيت لم يكن... سراج لنا إلَّا ووجهك أنور
أي أنور من غيره، وقال ابن الأَنْباري: وأجاز أبو العبَّاس: الله أكبر، واحتجَّ بأنَّ الأذان سُمِعَ وقفًا لا إعراب فيه.
قوله: (أَشْهَدُ أَن لَا إِلَهَ إلَّا الله) معناه: أعلم وأبيِّن، ومن ذلك شهد الشاهد عند الحاكم، معناه قد بيَّن له وأعلمه الخبر الذي عنده، وقال أبو عبيدة: معناه أقضي كما في: ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ [آل عمران: ١٨] معناه: قضى الله، وقال الزَّجَّاجي: ليس كذلك، وإنما حقيقة الشَّهادة هو تيقُّن الشيء وتحققه، من شهادة الشيء أي حضوره.
قوله: (رَسُولُ اللهِ) قال ابن الأَنْباري: الرَّسُول معناه في اللُّغة: الذي يتابع الأخبار من الذي بعثه، من قول العرب قد جاءت الإبل رسلًا، إذا جاءت متتابعة ويقال في تثنيته: رسولان، وفي جمعه: رسل، ومن العرب من يوحِّده في موضع

1 / 131