Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
آخر الحديث هذا الاستثناء، وأراد به قوله: (قد قامت الصلاة) مرتين، وقال الكِرْماني: قالت المالكية: عمل أهل المدينة خلفًا عن سلف على إفراد الإقامة، ولو صحَّت زيادة أيُّوب، وما رواه الكوفيون من تثنية الإقامة، جاز أن يكون ذلك في وقت ما ترك لعمل أهل المدينة على الآخر الذي استقرَّ الأمر عليه، والجواب: أن زيادة الثقة مقبولة وحجَّة بلا خلاف، وأما عمل أهل المدينة فليس بحجَّة مع أنَّه معارض بعمل أهل مكَّة، وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها، وقال شيخنا: وهذا الحديث حجَّة على من زَعَمَ أنَّ الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان، وأجاب بعض الحنفيَّة: بدعوى النسخ وأنَّ إفراد الإقامة كان أولًا، ثمَّ نسخ بحديث أبي مَحذُورَة يعني الذي رواه أصحاب السُّنن وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخِّر عن حديث أَنَس، فيكون ناسخًا، وعورض بأنَّ في بعض طرق حديث أبي مَحذُورَة المحسَّنة التربيع والترجيع، فكان يلزمهم القول به، وقد أنكر أحمد على من ادعى النَّسخ بحديث أبي مَحذُورَة واحتجَّ «بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَعَ بَعْدَ الفَتْحِ إِلَى المَدِينَةِ، وَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ، وَعَلمَهُ سَعْد القَرَظُ فَأَذَّنَ بِهِ بَعْدَهُ» كما رواه الدَّارَقُطْني والحاكم، قال العَيني: الذي رواه التِّرْمِذي من حديث عَمْرو بن مُرَّة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد قال: «كَانَ أَذَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَفْعًا فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» حجَّة على هذا القائل بقوله، وهذا الحديث حجَّة على من زَعَمَ أن الإقامة مثنى مثنى وكذلك رواية ابن حبَّان في «صحيحه» كلُّ هذه حجَّة عليه وعلى إمامه، وأمَّا الجواب عن وجه ترك الترجيع ووجه النَّسخ فقد ذكرناه. انتهى.
وقال ابن عبد البرِّ: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير، إلى أنَّ ذلك من الاختلاف المباح، فإن ربَّع التكبير الأوَّل في الأذان، أو ثنَّاه، أو رجَّع في التَّشهُّد أو لم يرجِّع، أو ثنَّى الإقامة أو أفردها كلَّها أو إلَّا (قدْ قامَتِ الصَّلاة) فالجميع جائز. وعن ابن خُزَيمَة: إن ربَّع الأذان ورجَّع فيه ثنَّى الإقامة، وإلا أفردها، وقيل: لم يقل بهذا التفصيل أحد قبله، والله أعلم. انتهى.
(٤) (بَابُ فَضْلِ التَّأذِينِ) أي هذا باب في بيان فضل التأذين، وهو مصدر أذَّن بالتشديد، وهو مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصَّلاة، ومنه أُخذ أذان الصَّلاة، وقال الجوهري: والأذين مثله، وقد أذَّن أذانًا، وأما الإيذان فهو من آذن على وزن أفعل، ومعناه الإعلام مطلقًا، وإنَّما قال البخاري: باب فضل التأذين ولم يقل باب فضل الأذان، مراعاةً للفظ الحديث الوارد في الباب، وقال ابن المنيِّر: التأذين يتناول جميع ما يصدر عن المؤذِّن من قول وفعل وهيئة، وحقيقة الأذان تحصل بدون ذلك، قال شيخنا: كذا قال والظَّاهر أنَّ التأذين هنا أطلق بمعنى الأذان، لقوله في الحديث: (حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ) وفي رواية لمسلم: «حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ» فالتقييد
بالسَّماع لا يدلُّ على فعل ولا هيئة، مع أن ذلك هو الأصل في المصدر. انتهى. وقال العَيني: لا نسلِّم هذا الكلام يعني كلام ابن المنيِّر لأنَّ التأذين مصدر فلا يدلُّ إلَّا على حدوث فعل فقط. انتهى.
٦٠٨ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التِّنِّيسي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي ابن أَنَس، ترجمته في البدء أيضًا.
قوله: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) أي بالزاي والنون، واسمه عبد الله بن ذكوان، ترجمته في باب حبِّ الرسول من الإيمان.
قوله: (عَنِ الأَعْرَجِ) أي عبد الرحمن بن هرمز، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه الإخبار كذلك، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع.
قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيطان لَهُ ضُرَاطٌ حتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِين، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى).
مطابقته للترجمة من حيث هروب الشَّيطان عن الأذان، فإن الأذان لو لم يكن له فضل عظيم يتأذَّى منه الشَّيطان لم يهرب منه، فمن حصول هذا الفضل للتأذين يحصل أيضًا للمؤذِّن لأنَّه لا يقوم إلَّا به.
هذا الحديث أخرجه أبو داود، في الصَّلاة عن القَعنَبي عن مالك، وأخرجه النَّسائي أيضًا فيه عن قُتَيْبَة عن مالك بالصلاة، وهي رواية لمسلم أيضًا، وكذا في رواية أبي داود، قال شيخنا: ويمكن حملها على معنى واحد.
قال العَيني: سكت على هذا ولم يُبيِّن وجه ما هو، قلت: تكون الباء للسببية، كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] أي بسبب ذنبه وكذلك المعنى ههنا بسبب الصَّلاة، ومعنى التعليل قريب من معنى السببية.
قوله: (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) الإدبار: نقيض الإقبال، يقال: دبر وأدبر إذا ولَّى، والألف واللام في: الشيطان، للعهد، والمراد: الشَّيطان المعهود.
قوله: (لَهُ ضُرَاطٌ) جملة اسميَّة وقعت حالًا، والأصل فيها أن تكون بالواو، وقد تقع بلا واو، كلمته فوه إلى فيَّ، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلي: بالواو على الأصل، وهي للبخاري من وجه آخر في بدء الخلق. قال عياض: يمكن حمله على ظاهره لأنَّه جسم متغذٍّ يصحُّ منه خروج الريح، ويحتمل إنَّها عبارة عن شدَّة نفاره، ويقوِّيه رواية لمسلم: «لَهُ حُصَاصٌ» بمهملات مضموم الأوَّل، فقد فسَّره الأصمعي وغيره: بشدَّة العدو، قال العَيني: هذا تمثيل لحال الشَّيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال من حزقه أمر عظيم، واعتراه خطب جسيم، حتَّى لم يزل يحصل له الضراط من شدَّة ما هو فيها، لأن الواقع
1 / 134