135

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

في شدَّة عظيمة من خوف وغيره، تسترخي مفاصله، ولا يقدر على أن يملك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط، ولما كان الشَّيطان لعنه الله تعتريه شدَّة عظيمة وداهية جسيمة، عند النداء إلى الصَّلاة، فيهرب حتَّى لا يسمع الأذان، شبَّه حاله بحال ذلك الرجل، وأثبت له على وجه الادعاء الضراط الذي ينشأ من كمال الخوف الشديد، وفي الحقيقة ما ثمَّ ضراط، ولكن يجوز أن يكون ريح، لأنَّه روح ولكن لم تعرف كيفيته. انتهى. وقال الطيبي: شبَّه شغل الشَّيطان نفسه عند سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع، ويمنعه عن سماع غيره ثمَّ سماه ضراطًا تقبيحًا له، فإن قلت: كيف يهرب عن الأذان، ولا يهرب عن قراءة القرآن وهي أفضل من الأذان؟ قلت: إنَّما يهرب من الأذان حتَّى لا يشهد بما سمعه إذا استُشهد يوم القيامة، لأنَّه جاء في الحديث: (لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلا أَنَس وَلا شَيْءٌ، إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) والشَّيطان أيضًا شيء أو هو داخل في الجنِّ، لأنَّه من الجنِّ. فإن قلت: الشَّيطان ليس بأهل للشهادة، لأنَّه كافر، والمراد من الحديث يشهد له المؤمنون من الجنِّ والإنس، قال العَيني: إنَّه يدبر لعظم أمر الأذان، لما اشتمل عليه من قواعد الدين، وإظهار شعائر الإسلام وإعلانه. وقيل: ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد. فإن قلت: كيف يهرب من الأذان ويدنو من الصَّلاة وفيها القرآن ومناجاة الحقِّ؟ قال العَيني: أيضًا هروبه من الأذان ليأسه من الوسوسة كما ذكرنا، وفي الصَّلاة تفتح له أبواب الوسواس. انتهى. قلت: التعليل بقولنا حتَّى لا يشهد إذا استُشهد، أظهر من هذا. انتهى. وقيل لأن الأذان دعاء إلى الصَّلاة المشتملة على السُّجود الذي أباه وعصى فيه، واعترض بأنه يعود قبل السجود، فلو كان هروبه لأجله لم يعد إلَّا عند فراغه، وأجيب: بأنَّه يهرب عند سماع الدعاء بذلك ليغالط نفسه بأنه لم يخالف أمرًا، ثمَّ يرجع ليفسد على المصلِّي سجوده الذي أباه، وقيل: إنَّما يهرب لاتفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحقِّ وإقامة الشريعة، واعترض بأنَّ الاتِّفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلِّي، وأجيب: بأن الإعلان أخصُّ من الاتفاق، فإنَّ الإعلان المختصَّ بالأذان لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير والتلاوة مثلًا، ولهذا قال لعبد الله بن زيد: (أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ) أي اقعد بالمدِّ والإطالة والإسماع ليعمَّ الصَّوت ويطول أمد التأذين، فيكثر الجمع ويفوت على الشَّيطان مقصوده من إلهاء الآدمي عن إقامة الصَّلاة في جماعة، أو إخراجها عن وقتها أو وقت فضيلتها فيفرُّ حينئذ، وقد يئس عن أن يردَّهم عمَّا أعلنوا، ثمَّ يرجع لما طبع عليه من الأذى إلى الوسوسة. وقال ابن الجَوْزي: على الأذان
هيبة يشتدُّ بسببها انزعاج الشيطان، لأنَّه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به، بخلاف الصَّلاة فإن النفس تحضر فيها، فيفتح لها الشَّيطان أبواب الوسوسة. وقد ترجم عليه أبو عوانة: الدليل على أن المؤذِّن في أذانه وإقامته منفي عنه الوسوسة والرياء لتباعد الشَّيطان منه، وقيل: لأن الأذان إعلام بالصَّلاة الَّتي هي أفضل الأعمال، بألفاظ هي من أفضل الذكر، لا يُزاد فيها ولا يُنقص منها، بل يقع على وفق الأمر، فيفرُّ من سماعها. وأمَّا الصَّلاة فلما يقع من كثير من النَّاس فيها من التفريط فيتمكَّن الخبيث من المفرِّط، فلو قُدِرَ أن المصلِّي وفى بجميع ما أُمر به فيها لم يقربه وحده وهو نادر، وكذا إذا انضم إليه مثله فإنه يكون أندر، أشار له ابن أبي جَمْرَة نفع الله ببركته.
قوله: (حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِيْنَ) الظَّاهر أن هذه الغاية لأجل إدباره، وقال شيخنا: ظاهره إنَّه يتعمد إخراج ذلك إمَّا ليشتغل بسماع الصَّوت الذي يخرجه عن سماع المؤذِّن، أو يصنع ذلك استخفافًا كما يفعله السًّفهاء، ويحتمل أن لا يتعمَّد ذلك، بل يحصل له عند سماع الأذان شدَّة خوف يحدث له ذلك الصَّوت بسببها، ويحتمل أن يتعمد ذلك ليقابل ما يناسب الصَّلاة من الطهارة بالحدث. انتهى. قلت: ومثل هذا ما يفعله بعض الكفَّار من النصارى وهو إنَّه إذا سمع المؤذِّن يصلب على وجهه، ليقابل الإيمان بكفره. انتهى. وقال شيخنا أيضًا: واستدلَّ به على استحباب رفع الصَّوت بالأذان، لأنَّ قوله: (حَتَّى لَا يَسْمَعَ) ظاهر في إنَّه يبعد إلى مكان ينتفي فيها سماعه للصوت، وقد وَقَعَ بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر فقال: (حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ) وحكى الأَعْمَش عن أبي سُفْيان روايةً عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستَّة وثلاثون ميلًا، هذه رواية قُتَيْبَة عن جرير عند مسلم، وأخرجه عن إِسْحاق عن جرير ولم يسق لفظه، ولفظ إِسْحاق في «مسنده»: «حَتَّى يَكُونَ بِالرَّوْحَاءِ» وهي ثلاثون ميلًا عن المدينة. فأدرجه في الخبر، والمعتمد رواية قُتَيْبَة، وسيأتي حديث أبي سعيد في فضل رفع الصَّوت بالأذان بعد، قال ابن بطَّال: يشبه أن يكون الزجر من خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذِّن المؤذِّن من هذا المعنى، لئلَّا يكون متشبِّهًا بالشَّيطان الذي يفرُّ عند سماع الأذان.
قوله: (فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ) بضمِّ القاف على صيغة المجهول، سند إلى فاعله وهو النداء القائم مقام المفعول، ويروى على صيغة المعلوم، ويكون الفاعل هو الضَّمير الذي فيه، وهو المؤذِّن، والنداء منصوب على المفعولية، والقضاء يأتي لمعانٍ كثيرةٍ، وههنا بمعنى: الفراغ. تقول: قضيت حاجتي أي فرغت منها أو بمعنى الانتهاء.
قوله: (أَقْبَلَ) زاد مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: «فَوَسْوَسَ».
قوله: (حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ) بضمِّ الثَّاء المثلَّثة وتشديد الواو

1 / 135