138

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

وسلَّم، وفي سياقه أنَّ جدَّه كان بدريًّا، قال شيخنا: وفيه نظر لأنَ أصحاب المغازي لم يذكروه فيهم، وإنما ذكروا أخاه قَيْس بن أبي صَعصَعة. انتهى.
قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي عبد الله بن عبد الرحمن، زاد ابن عُيَيْنَة: وكان يتيمًا في حجر أبي سعيد، وكانت أمُّه عند أبي سعيد، أخرجه ابن خُزَيمَة من طريقه، لكن قلبه ابن عُيَيْنَة فقال: عن عبد الرحمن بن عبد الله، والصحيح قول مالك، ووافقه عبد العزيز بن الماجِشُون، وزَعَمَ ابن مسعود في «الأطراف»: أن البخاري أخرج روايته، لكن لم نجد ذلك، ولا ذكرها خلف قاله ابن عساكر.
قوله: (أنَّهُ أخْبَرَهُ أنَّ أَبَا سعِيدٍ الخُدْري ﵁ قَالَ لَهُ) أي سعيد بن مالك، ترجمته في باب من الدين الفرار من الفتن.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك في موضع واحد، وبصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه العنعنة في موضعين. وفيه السماع. وفيه أنَّ عبد الرحمن من أفراد البخاري، وفيه أنَّ رواته مدنيُّون ما خلا شيخ البخاري.
قوله: (إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ -أَوْ بَادِيَتِكَ- فَأَذَّنْتَ للصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا أَنَس وَلَا شَيْءٌ إلَّا يَشهَدُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وقَالَ أبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ منْ رَسُولِ الله ﷺ.
مطابقته للترجمة في قوله: (فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ). هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في ذكر الجنِّ عن قُتَيْبَة، وفي التوحيد عن إسماعيل وعن أبي نُعَيم عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجِشُون عن عبد الرحمن بن أبي صَعصَعة عن أبيه به، ذكره خلف وحده، وقال أبو القاسم: لم أجده ولا ذكره أبو مسعود، وأخرجه النَّسائي في الصَّلاة عن محمَّد بن سلمة عن أبي القاسم عن مالك به، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن محمَّد بن الصبَّاح عن سُفْيان بن عُيَيْنَة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعصَعة عن أبيه عن أبي سعيد به، كذا يقول سُفْيان.
قوله: (قَالَ لَهُ) أي قال أبو سعيد لعبد الله بن عبد الرحمن.
قوله: (تُحِبُّ الغَنَمَ والبَادِيَةَ) أي لأجل الغنم، لأن محبَّها يحتاج إلى إصلاحها بالمرعى، وهو في الغالب يكون في البادية، وهي الصحراء الَّتي لا عمارة فيها.
قوله: (فَإذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ) أي بين غنمك، وكلمة: (في)، تأتي بمعنى بين، كما في قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩]. وفي «المخصص»: الغنم جمع لا واحد له من لفظه. وقال أبو حاتم: وهي أنثى. وعن صاحب العين»: الجمع أغنام وأغانم وغنوم، وفي «المحكم»: ثنُّوه فقالوا: غنمان، وفي «الجامع»: هو اسم لجمع الضأن والمعز، وفي «الصحاح»: موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعًا.
قوله: (أوْ بَادِيَتِكَ) كلمة: أو، هنا تحتمل أن تكون للشكِّ من الراوي، أو تكون للتنويع، لأنَّه قد يكون في غنم بلا بادية، وقد يكون في بادية بلا غنم، وقد يكون فيهما معًا. وقد لا يكون فيهما معًا، وعلى كلِّ حال لا يترك الأذان.
قوله: (فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ) أي لأجل الصَّلاة، وفي رواية للبخاري في بدء الخلق: بالصلاة، والباء للسببيَّة ومعناهما قريب، أي أعلمت
بوقتها.
قوله: (فارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ) أي الأذان، قال شيخنا: فيه إشعار بأن أذان من أراد الصَّلاة كان مقررًا عندهم لاقتصاره على الأمر بالرفع دون أصل التأذين.
قوله: (فإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤذِّنٌّ) أي لا يسمع غاية صوته. قال التُّوْرِبِشْتي: إنَّما ورد البيان على الغاية مع وصول الكفاية بقوله: (لا يسمع صوت المؤذِّن)، تنبيهًا على أن آخر من ينتهي إليه صوته يشهد له كما يشهد له الأولون. وقال القاضي البَيْضاوي: غاية الصَّوت يكون أخفى لا محالة، فإذا شهد له من بعد عنه ووصل إليه همس صوته، فلأنَّ يشهد له من هو أدنى وسمع مبادي صوته أولى.
قوله: (جِنٌّ ولَا أَنَس ولَا شَيْءٌ) ظاهره يشمل الحيوانات والجمادات، فهو من العامِّ بعد الخاصِّ، ويؤيِّده ما في رواية ابن خزيمة: «لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ شَجَرةٌ وَلَا مَدَرٌ وَلَا حَجَرٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ» وله ولأبي داود والنَّسائي من طريق أبي يحيى عن أبي هريرة بلفظ: «المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ» ونحوه للنسائيِّ، وغيره من حديث البراء، وصححه ابن السكن، فهذه الأحاديث تُبيِّن المراد من قوله في حديث الباب: (وَلَا شَيْءٌ) وقد تكلَّم بعض من لم يطلع عليها في تأويله على ما يقتضيه ظاهره، قال القُرْطُبي: قوله: (وَلَا شَيْءٌ) المراد به الملائكة. وتعقِّب بأنهم دخلوا في قوله: (جِنٌّ) لأنَّهم يستخفون عن الأبصار، وقال غيره: المراد كلُّ ما يسمع المؤذِّن من الحيوانات حتَّى ما لا يعقل دون الجمادات. ومنهم من حمله على ظاهره، وذلك غير ممتنع عقلًا ولا شرعًا. قال ابن بزيزة: تقرر في العادة أن السماع والشهادة والتسبيح لا يكون إلَّا من حيٍّ، فهل ذلك حكاية عن لسان الحال لأنَّ الموجودات ناطقة بلسان حالها بجلال بارئها، أو هو على ظاهره؟ وغير ممتنع عقلًا أن الله يخلق فيها الحياة والكلام. انتهى. وقد تقدَّم البحث في ذلك في قول النَّار: (أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا) وسيأتي في الحديث الذي فيه أن البقرة قالت: (إِنَّمَا خُلِقْنا لِلْحَرْثِ) وفي مسلم من حديث جابر بن سَمُرَة مرفوعًا: «إِنّي لأَعْرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلّمُ عَلَيّ».
ونقل ابن التِّين عن أبي عبد الملك: إنَّ قوله هنا: «وَلَا شَيْءٌ» نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وتعقَّبه بأن الآية مختلف فيها، قال شيخنا: وما عرفت وجه هذا التعقُّب، فإنهما سواء في الاحتمال ونقل الاختلاف، إلَّا أن يقول إنَّ الآية لم يختلف في كونها على عمومها، وإنما اختلف في تسبيح بعض الأشياء هل هو على الحقيقة أو المجاز بخلاف الحديث. والله أعلم. انتهى.
قوله: (إلَّا شَهِدَ لَهُ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: <إلَّا يَشْهَدُ لَهُ>، أي بلفظ المضارع، وتوجيههما واضح.
قال شيخنا: السِّرُّ في هذه الشَّهادة مع إنَّها تقع عند عالم الغيب والشهادة، أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدُّنْيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة، قاله الزَّين بن المنيِّر: وقال التُّوْرِبِشْتي: المراد من هذه الشَّهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة، كما أن الله يفضح بالشهادة قومًا فكذلك يكرِّم بالشهادة آخرين.
قوله: (وَقَالَ أبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ منْ رَسُولِ اللهِ

1 / 138