137

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

من حديث كثير بن مرَّة الحضرمي مرفوعًا: «أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى مِنْ حلَلِ الجنَّة بعد النَّبِيين، ﵈، وَالشُّهَدَاء: بِلَال وَصَالح المؤذنين» وفي كتاب «شعب الإيمان» للبيهقيِّ من حديث أبي معاوية عن أبي يعيش السكوني عن عبادة بن نسَى يرفعه: «مَنْ حَافَظَ عَلى النِّدَاءِ بِالأَذَانِ سَنَةً أَوْجَبَ الجنَّةَ» وعند أبي أحمد بن عدي من حديث عُمَر بن حَفْص العبدي وهو متروك عن ثابت عن أنس: «يد الله تعالى على رأس المؤذِّن حتَّى يفرغ من أذانه، وإنَّه ليغفر له مَدَّ صوته وأين بلغ»، زاد أبو الشيخ من حديث النعمان: «فإذا فرغ قال الربُّ تعالى: صدقت عبدي وشهدت شهادة الحق فأبشر»، وعند أبي الفَرَج: «يُحْشرُ المؤَذِّنون عَلى نُوقٍ من نُوقِ الجنَّة يخَافُ النَّاس وَلَا يخَافُونَ ويحزنُ النَّاس وَلَا يَحْزَنُونَ»، وعند أبي الشيخ من حديث أبي موسى: «يُبْعَثُ يَوْمُ الجُمُعَة زاهرًا مُنيرًا وَأهلُ الجنَّة مَحفوفونَ بِهِ كالعروسِ تُهدى إِلَى بَيتِ زَوجِهَا، لَا يُخالطُهُم إلَّا المؤذِّنونَ المحتسِبونَ» وحديث جابر ﵁: «قِيلَ: يا رَسُولَ الله، مَنْ أوَّل النَّاس دُخُولًا الجَنَّةِ؟ قال: الأَنبِياءُ، ثمَّ الشُّهَداءُ، ثمَّ مُؤَذِّنُو الكَعبَةِ، ثمَّ مُؤَذِّنُو بَيتِ المَقدِسِ، ثمَّ مُؤَذِّنُو مَسجِدِي هَذا، ثمَّ سائِرُ المُؤَذِّنِينَ» سندهما صالح، وحديث أُبي بن كعب ﵁: «دَخَلْتُ الجنَّة فَرَأَيْتُ فِيهَا جنابذَ اللُّؤْلُؤ، فَقلتُ: لِمَنْ هَذَا يَا جِبْرِيل؟ قَالَ: لِلْمُؤذِّنينَ وَالأَئِمَّة منْ أُمَتِّكَ»، وقال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر، وعند عبد الرزَّاق: من حديث عبد الرحمن بن سعيد بن عمَّار بن سعد المؤذِّن عن صفوان بن سليم عن أَنَس رفعه: «إِذَا أُذِّنَ فِي قَرْيَةٍ أَمَّنَهَا اللَّهُ مِنْ عَذَابِهِ ذَلِكَ اليَوْمَ»، وعند السرَّاج بسند صحيح: «الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ»، قال العَيني: ومن هذا أخذ الشَّافعي ﵁ أنَّ الأذان أفضل من الإمامة، وعندنا الإمامة أفضل لأنَّها وظيفة النَّبِيِّ ﷺ. انتهى.
وفيه: أنَّ السَّهو الذي يحصل للمصلِّي في صلاته من وسوسة الشيطان.
تنبيهان: أحدهما: فهم بعض السلف من الأذان في هذا الحديث الإتيان بصورة الأذان وإن لم توجد فيه شرائط الأذان من وقوعه في الوقت وغير ذلك، ففي مسلم من رواية سهيل عن أبي صالح عن أبيه إنَّه قال: «إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ» واستدلَّ بهذا الحديث، وروى مالك عن زيد بن أسلم نحوه.
الثاني: وردت في فضل الأذان أحاديث كثيرة، ذكر المُصَنِّف بعضها في مواضع أخرى، واقتصر على هذا هنا، لأنَّ الخبر تضمَّن فضلًا لا ينال بغير الأذان، بخلاف غيره من الأخبار فإن الثواب المذكور فيها يُدرك بأنواع أخرى من العبادات، والله أعلم.
(٥) (بابُ رَفْعِ الصَّوت بالنِّدَاءِ) أي هذا باب في بيان رفع الصَّوت بالنداء، أي رفع المؤذِّن صوته بالأذان، قال ابن المنيِّر: لم ينص على حكم رفع الصَّوت لأنَّه من صفة الأذان، وهو لم ينصَّ في أصل الأذان على حكم، قال العَيني: هو في الحقيقة صفة المؤذِّن لا صفة
الأذان، ولا يحتاج إلى نصِّ الحكم ظاهرًا، لأنَّ حديث الباب يدلُّ على أنَّ المراد ثواب رفع الصوت، فيكون تقدير كلامه: باب في بيان ثواب رفع المؤذِّن صوته عند الأذان، كما ترجم النَّسائي باب الثواب على رفع الصَّوت بالأذان.
قوله: (وَقَالَ عُمَر بنُ عَبْدِ العَزِيزِ) قلت: هو الإمام العادل الأموي القرشي، ترجمته في كتاب الإيمان ﵁.
قوله: (أَذِّنْ أذانًا سَمْحًا وإلاِّ فاعْتَزِلْنَا) مطابقة الأثر للترجمة، ما قاله الداودي: لعلَّ هذا المؤذِّن لم يكن يحسن مدَّ الصَّوت إذا رفع بالأذان فعلَّمه، وليس إنَّه نهاه عن رفع الصوت، قال العَيني: كأنَّه كان يطرَّب في صوته ويتنغم، ولا ينظر إلى مدِّ الصَّوت مجرَّدًا عن ذلك، فأمره عُمَر بن عبد العزيز بالسماحة وهي السهولة، وهي أن يسمح بترك التطريب، ويمدُّ صوته، ويدلُّ على ذلك ما رواه الدَّارَقُطْني، بسندٍ فيه لين، قال شيخنا: وفيه إِسْحاق بن أبي يحيى الكعبي، وهو ضعيف عند الدَّارَقُطْني، وابن عدي، وقال ابن حبَّان: لا تحلُّ الرواية عنه، ثمَّ غفل فذكره في الثقات من حديث ابن عبَّاس (أنه ﵇ كان له مؤذِّن يطرب، فقال له ﵇: المؤَذِّنُ سَهْلٌ سَمْحٌ، فَإِنْ كَانَ أَذَانُكَ سَهْلًا سَمْحًا وَإِلا فَلا تُؤَذِّنْ) قال العَيني: ويحتمل أن هذا المؤذِّن لم يكن يفصح في كلامه ويغمغم، فأمره بالسماحة في أذانه، وهي ترك الغمغمة بإظهار الفصاحة، وهذا لا يكون إلَّا بمدِّ الصَّوت بحدَّة، وروى مجاشع عن هارون بن محمَّد عن نافع عن ابن عمر: (قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: لَا يُؤَذِّنُ لَكُمْ إلَّا فَصِيْحٌ) وقال ابن عدي: هارون هذا لا يعرف، قال شيخنا: هذا التعليق وصله ابن أبي شَيْبَة من طريق سعيد بن أبي حسن، أي عن وكيع عن سُفْيان عن عُمَر بن سعيد: (أنَّ مُؤَذِّنًا أذَّنَ فَطَرَّبَ في أذانِهِ، فقالَ لَهُ عُمَر بن عبد العزيز: أذِّن أذانًا سمحًا وإلَّا فاعتزْلنا)، ولم أقف على اسم هذا المؤذِّن، وأظنُّه من بني سعد القَرَظ، لأن ذاك وَقَعَ حيث كان عُمَر بن عبد العزيز أميرًا على المدينة، والظاهر إنَّه خاف عليه من التطريب الخروج عن الخشوع، لا إنَّه نهاه عن رفع الصوت. انتهى.
قوله: (أَذِّنْ) بلفظ الأمر من الفعل، وهو خطاب لمؤذِّنه.
قوله: (سَمْحًا) أي سهلًا بلا نغمات وتطريب.
قوله: (فاعْتَزِلْنَا) أي فاترك منصب الأذان.
٦٠٩ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ) أي التِّنِّيسي، ترجمته في كتاب الوحي.
قوله: (قَالَ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ) أي ابن أَنَس ترجمته فيه أيضًا.
قوله: (عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي صَعْصَعَةَ الأنْصَارِيِّ ثمَّ المَازِنِيِّ) صعصعة بالمهملات المفتوحات، إلَّا العين الأولى فإنها ساكنة، والمازني بالزاي والنون، مات في خلافة أبي جعفر، ومنهم من ينسبه إلى جدِّه، واسم أبي صَعصَعة: عَمْرو بن زيد بن عَوْف بن مبذول بن عَمْرو بن غَنْم بن مازن بن النجَّار، مات أبو صَعصَعة في الجاهليَّة وابنه عبد الرحمن صحابي، روى ابن شاهين في «الصحابة»، من طريق قَيْس بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعصَعة عن أبيه عن جدِّه حديثًا سمعه من النَّبِيِّ صلَّى الله عليه

1 / 137