146

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

خبر مبتدأ محذوف، أي أنت ربُّ هذه الدعوة، والرب: المربي المصلح للشأن، وقال الزمخشري: ربَّه يربُّه فهو ربٌّ، ويجوز أن يكون وصفًا لمصدر للمبالغة كما في الوصف بالعدل، ولم يطلقوا الربَّ إلا في الله وفي غيره على التقييد بالإضافة، كقولهم: ربُّ الدار ونحوه.
قوله: (الدَّعوَة) بفتح الدال، وفي «المحكم»: الدَّعوة والدِّعوة بالفتح والكسر، والمدعاة: ما دعوت إليه، وخص اللَّحياني بالمفتوحة الدعاءَ إلى الوليمة. قال العيني: قالوا: الدَّعوة بالفتح في الطعام، والدِّعوة بالكسر في النسب، والدُّعوة بالضم في الحرب. والمراد بالدعوة ههنا ألفاظ الأذان التي يدعى بها الشخص إلى عبادة الله تعالى، وفي رواية البيهقي من طريق محمد بن عوف عن علي بن عياش: «اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة» والمراد بها دعوة التوحيد كقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤].
قوله: (التَّامَّةِ) صفة للدعوة، وُصِفت بالتمام؛ لأن الشركة نقص، وقيل: معناها التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم القيامة، وقيل: وُصفت بالتمام؛ لأنها هي التي تستحق صفة التمام وما سواها بمعرض الفساد، وقال ابن التين: وُصفت بالتامة؛ لأن فيها أتم القول وهو لا إله إلا الله، وقيل: التامة الكاملة، وكمالها لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل في كلام الناس، وقيل: معنى التمام كونُها محمية عن النَّسخ باقية إلى يوم القيامة، وقال الطيبي: مِن أوله إلى قوله: (محمد رسول الله) هي الدعوة التامة.
قوله: (وَالصَّلاةِ القائِمَة) أي: الدائمة التي لا تُغيّرها مِلّة ولا تَنسخها شريعة، وأنها قائمة ما دامت السماوات والأرض. ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاءُ، وبالقائمة الدائمةُ، مِن قام على الشيء إذا داوم عليه، وعلى هذا فقوله: (والصلاة القائمة) بيان للدعوة التامة. ويحتمل أن يكون بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ، وهو أظهر.
قوله: (آتِ) أي: أعطِ، وهو أمر من الإيتاء وهو الإعطاء.
قوله: (الوَسِيلَةَ) وهي في اللغة: ما يتقرب به إلى الغير والمنزلة عند الملك، يقال: وسل فلان إلى ربه وسيلة، وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل، وهي على وزن فَعيلة، وتُجمع على وسائل ووسل، وتطلق على المنزلة العلية، ووقع ذلك في حديث مسلم: حدثنا محمد بن مسلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب عن حيوة وسعيد بن أبي أيوب وغيرهما، عن كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، أنه سمع رسول الله يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي لأحد إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حَلَّت له الشفاعة» ونحوه للبزار عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه أبو داود والنسائي أيضًا، وأخرجه الطحاوي، ولفظه: «فإنها منزلة في الجنة» فالمنزل والمنزلة واحد وهي المنهل والدار، قال شيخنا: ويمكن ردها إلى الأول؛ فإن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، فتكون كالقربة
التي يتوسل بها. انتهى
قوله: (والفَضيلة) أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون الفضيلة منزلةً أخرى، قال شيخنا: أو تكون تفسيرًا للوسيلة.
قال العيني: لا إيهام في الوسيلة مع أنها بُينت في الحديث الذي روي عن عبد الله بن عمرو. انتهى
قلت: كلام العيني هذا يشعر بأنه لا يفسر إلا المبهم، وليس كذلك. انتهى
قوله: (مَقامًا مَحمُودًا) نصب على الظرفية، أي: ابعثه يوم القيامة فأقمه مقامًا محمودًا، أو على أنه مفعول به، أو ضمن ابعثه معنى أقمه، ومعنى ابعثه أعطه، ويجوز أن يكون حالًا، أي: ابعثه ذا مقام محمود. قال النووي: ثبتت الرواية بالتنكير، وكأنه حكاية للفظ القرآن، وقال الطيبي: إنما نكره لأنه أفخم وأجزل، كأنه قيل: مقامًا أي مقام محمودًا بكل لسان، وقد جاء في هذه الرواية بعينها من رواية علي بن عياش شيخ البخاري فيه المقام المحمود بالألف واللام عند النسائي، وهو في «صحيح ابن خزيمة» و«ابن حبان» أيضًا، وفي «الطحاوي» والطبراني في «الدعاء» والبيهقي، وفيه تعقب على من أنكر ذلك كالنووي، قال ابن الجوزي: الأكثر على أن المراد بالمقام المحمود: الشفاعة. وقيل: إجلاسه على العرش. وقيل: على الكرسي، وقد حكى كُلًّا من القولين جماعة، وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول؛ لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الإذن في الشفاعة، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة، وأن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة أو الفضيلة، وقيل: معناه: الذي يحمده القائم فيه وكلُّ مَن رآه وعرفه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. وعن ابن عباس: مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق، تسأل فتُعطي، وتشفع فتشفع، ليس أحد إلا تحت لوائك. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي».
ووقع في «صحيح ابن خزيمة» من حديث كعب بن مالك مرفوعًا: «يبعث الله الناس فيكسوني حُلَّة خضراء، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود» ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة، ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة.
ويشعر قوله في آخر الحديث: (حلَّت له شفاعتي) بأن الأمر المطلوب له الشفاعة، والله أعلم.
قوله: (الَّذِي وَعَدتَهُ) زاد في رواية البيهقي: «إنك لا تخلف الميعاد» قال الطيبي: المراد بذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وأطلق عليه الوعد؛ لأن عسى من الله واقع لا محالة كما صح عن ابن عيينة وغيره، وليس على بابه في حق الله تعالى. فإن قلت: قد وعده الله المقام المحمود وهو لا يخلف الميعاد، فما الفائدة في دعاء الأمة بذلك؟ قال العيني: إما لطلب الدوام والثبات، وإما للإشارة إلى جواز دعاء الشخص لغيره والاستعانة بدعائه في حوائجه، ولا سيما من الصالحين انتهى
قلت: وأيضًا فقد أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عن مكافأته دعونا له، ولما عجزنا عن مكافأة سيد الأولين والآخرين أُمرنا أن ندعو

1 / 146