أبو عامر الأشعري ﵁ ودعوته للإخوة الذين برزوا له في القتال، فلم يكن حال القتال وزمانه عائقًا أو مانعًا من إيصال هذه الدعوة؛ لأنهم يعلمون أنه من حق البشرية أن يُدعوا إلى الحق. وكذلك أيضًا قصة عمير بن وهب الجمحي ﵁ مع صفوان بن أمية وذلك عندما أسلم وعاد إلى مكة يدعو المشركين وكانوا لا يزالون يلملمون جراحاتهم بعد غزوة بدر، فلم ينتظر بل دعاهم وهم على هذه الحالة، وأخذ يظهر دعوته ويسعى في إسلام قريش حتى أسلم على يديه ناس كثير (^١)، فكان هو السبب -بعد توفيق الله- في إسلامهم وإنقاذهم من الشرك. ولأن الزمن لا ينتظر فإن الانتظار في دعوة الناس فيه تفريط في حقهم، وتضييع لفرص قد لا تتوافر لاحقًا، فكم من شخص تُرك بسبب حاله في ذلك الوقت وأُجلت دعوته إلا أنه لم يعش ليُدعَى، ومن ذلك قصة الأعشى بن قيس عندما خرج إلى رسول الله ﷺ يريد الإسلام وقد مدح النبي ﷺ بقصيدة قال فيها:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا
وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا
ومنها:
ألا أيّهذا السائلي: أين يممت ... فإن لها في أهل يثرب موعدا
فاعترضه بعض المشركين من قريش وعلموا أنه يريد الإسلام فقالوا له: إنه يحرم الزنى، فقال: ذلك الأمر ما لي فيه أرب، فقالوا له: إنه يحرم الخمر، فقال: أما هذه فإن في النفس فيها لعلات، ولكني منصرف عامي هذا فأتروى منها وآتيه العام القادم، ثم
(^١) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، ١/ ٤٨٢ - ٥٨٤.