Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
Editor
جمال عيتاني
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1422هـ - 2001م
Publisher Location
لبنان/ بيروت
العلم ينهى أهل أن يمنعوه أهله
لعله يبذله لأهله لعله
وفي الحقائق شرح المنظمومة قال الشافعي : ( ( الحمد لله الذي أعانني على الفقه بمحمد ابن الحسن ) ) انتهى محمد له الرواية عن أبي حنيفة ومالك كما يدل موطأ الإمام محمد . | ولما ذكر شيخنا العالم العلامة والبحر الفهامة شيخ الإسلام ومفتي الأنام ، صاحب التصانيف الكثيرة والتآليف الشهيرة ، مولانا وسيدنا الشيخ شهاب الدين بن حجر المكي مناقب الإمام مالك وأحمد بن حنبل والشافعي في شرح المشكأة قال : ( ( تعين علينا إذ ذكرنا تراجم هؤلاء الأئمة الثلاثة ، أن نختم برابعهم المقدم عليهم تبركا به لعلو مرتبته ، ووفور علمه وورعة وزهده وتحليته بالعلوم الباطنية فضلا عن الظاهره بما فاق فيه أهل عصره ، وفاز بحسن [ الثناء ] عليه وإذاعة ذكره . وهو الإمام الأعظم ، ففيه أهل العراق ، ومن أكابر التابعين ، أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي - بضم الزاي وفتح الطاء - ابن ماه مولى تيم الله بن ثعلبة الكوفي . وروى الخطيب بإسناده عن حفيده عمر بن حماد بن أبي حنيفة أن ثابتا ولد على الإسلام ، وزوطي كان مملوكا لبني تيم فأعتقوه فصار ولاؤه لهم . وأنكر إسماعيل أخو عمر المذكور حفيدة أيضا ابن حماد بن أبي حنيفة ذلك ، وقال : إن والد ثابت عن أبناء فارس ، وأنهم أحرار ، ( ( والله ما وقع علينا رق قط ، ولد جدي سنة ثمانين وذهب بثابت أبيه إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو صغير ، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته ، ونحن نرجو من الله أن يكون ذلك قد استجيب من علي فينا ) ) 1 ه . وهو كما رجا ، فقد بارك الله في أبي حنيفة بركة لا نهاية لأقصاها ، ولا غاية لمنتهاها ، وبارك في أتباعه فكثروا في سائر الأقطار ، وظهر عليهم من بكرة صدقه وإخلاصه ما اشتهر به في سائر الأمصار . أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان ، وأدرك أربعة من الصحابة بل ثمانية منهم : أنس وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن سعد وأبو الطفيل . وقيل : ولم يلق أحدا منهم ، قلت : لكن من حفظ حجة على من لم يحفظ ، والمثبت مقدم على الناقي . وسمع من عطاء وأهل طبقته ، روى عنه عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وخلائق لا يحصون ، وهو من أهل الكوفة وكان يزيد بن هبيرة واليا على العراق لبني أمية ، فكلمه في أن يلي له قضاء الكوفة فأبى عليه فضربه مائة سوط في كل يوم عشرة أسواط وهو مصمم على الامتناع ، فلما رأى ذلك منه خلى سبيله . وكان الإمام أحمد إذا ذكر ضربه على القضاء وامتناعه منه بكى وترحم عليه ، قلت : وكأنه اقتدى [ به ] في تحمل ضربه في مسألة خلق القرآن . واستدعاه المنصور أبو جعفر أمير المؤمنين من الكوفة إلى بغداد ليوليه القضاء فأبى ، فحلق عليه ليفعلن فحلف أبو حنيفة أنه لا يفعل وتكر هذا منهما ، فقال الربيع الحاجب : ( ( ألا ترى أمير المؤمنين يحلف ) ) ، قال أبو حنيفة : ( ( أمير المؤمنين على كفارة إيمانه أقدر مني على كفارة أيماني ) ) ، فأمر به إلى السجن في الوقت . وفي رواية : دعاه أبو جعفر إلى القضاء فأبى فحبسه ثم دعا به ، فقال : أترغب عما نحن فيه ، فقال : أصلح الله أمير المؤمنين لا أصلح للقضاء فقال له : كذبت ثم عرض عليه ، فقال أبو حينفة : قد حكم علي أمير المؤمنين أني لا أصلح للقضاء لأنه نسبي إلى الكذب ، فإن كنت كاذبا فلا أصلح ، وإن كنت صادقا فقد أخبرت أني لا أصلح ، فرده إلى السجن ، فقال الربيع بن يونس : رأيت المنصور يجادله في أمر القضاء وهو يقول : اتق الله ولا تشرك في أمانتك إلا من يخاف الله ، والله ما أنا مأمون الرضا فكيف أكون مأمون الغضب فلا أصلح لذلك ، فقال له : كذبت أنت تصلح ، فقال : قد حكمت على نفسك ، كيف يحل لك أن تولي قاضيا على أمانتك وهو كذاب ؟ وذكر أبو حنيفة عند ابن المبارك فقال : أتذكرون رجلا عرضت عليه الدنيا بحذاقيرها ففر منها . | وكان حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح يعرف بريح الطيب إذا قيل ، كثير الكرم حسن المواساة لإخوانه ، ربعة ، أحسن الناس منطقا وأحلاهم نعمة . قال : ( ( قدمت البصرة فظنت أني لا أسال عن شيء إلا أجبت عنه ، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب ، فجعلت على نفسي أن لا أفارق حمادا حتى يموت فصحبته ثماني عشرة سنة ، ثم ما صليت صلاة منذ مات إلا استغفرت له قبل أبوي ، أو قال : مع والدي وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علما ، أو تعلم مني علما ) ) قال : دخلت على المنصور ، فقال : عمن أخذت العلم ، فقلت : عن حماد عن إبراهيم النخعي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ، فقال المنصور : بخ بخ استوفيت يا أبا حنيفة . ورأى أبو حنيفة في النوم كأنه نبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فبعث من سأل محمد ابن سيرين ، فقال : صاحب هذا الرؤيا ولم يجب عنها ، ثم سأله الثانية فقال : مثل ذلك ثم سألت الثالثة ، فقال : صاحب هذه الرؤيا يبرز علما لم يسبقه أحد إليه ممن قبله . وقال ابن المبارك : كان أبو حنيفة آية ، فقيل له : في الخير أم في الشر ، قال : اسكت يا هذا فإنه يقال إنه آية في الخير وغاية في الشر ، ثم تلا : @QB@ وجعلنا ابن مريم وأمه آية @QE@ [ المؤمنون - 50 ] وقال : كان يوما في الجامع فوقعت حية فسقطت في حجرة فهرب الناس وهو لم يزد على نفضها وجلس مكانه . وكان خزازا يبيع الخز ودكانه معروف في دار عمرو بن حريث . ومات أخو سفيان الثوري فاجمتع إليه الناس فعزائه ، فجاء أبو حنيفة فقام إ ليه سفيان وأكرمه وأقعده في مكانه ، وقعد بين يديه ، ولما تفرق الناس قال أصحاب سفيان : رأيناك فعلت شيئا عجيبا ) ) ، قال : هذا رجل من العلم بمكان فإنه لم أقم لعلمه قمت لسنه ، وإن لم أقم لسنة قمت حتى أيقظهم أبو حنيفة بما فتقه وبينه ) ) . وقال الشافعي : ( ( الناس عيال أبي حنيفة في الفقه ) ) ، وفي رواية : ( ( من أراد أن يتبحر في الفقه فليلزم أبا حنيفة وأصحابه ) ) . وقال جعفر بن الربيع : ( ( أقمت على أبي حنيفة خمس سنين فما رأيت أطول صمتا منه ، فإذا سئل عن شيء من الفقه سال كالوادي ) ) . وقال ابن عيينة : ( ( ما قدم مكة في وقتنا رجل أكثر صلاة منه ) ) : وقال يحيى بن أيوب الزاهد : ( ( كان أبو حنيفة لا ينام [ في ] الليل ) ) . وقال أبو عاصم : ( ( كان يسمي الوتد لكثرة صلاته ) ) . وقال زفر : ( ( كان يحيى الليل كله بركعة يقرأ فيها القرآن ) ) . وقال أسد بن عمرو : صلى أبو حنيفة صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة ، وكان عامة الليل يقرأ القرآن في ركعة ، وكان يسمع بكاؤه حتى يرحكم عليه جيرانه ، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف ختمة ، ولما غسله الحسين بن عمارة قال له : ( ( غفر الله لك لم تفطر منذ ثلاثين سنة ، ولم تتوسد يمينك في الليل منذ أربعين سنة ، ولقد أتعبت من بعدك ) ) . وقال ابن المبارك : ( ( إنه صلى الخمس بوضوء واحد خمسا وأربعين سنة ، وكان يجمع القرآن في ركعتين ) ) . وقال زائدة : ( ( صليت معه في مسجده العشاء وخرج الناس ولم يعلم إني في المسجد ، فأردت أن أسأله مسأل فقام وافتتح الصلاة فقرأ حتى بلغ هذه الآية @QB@ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم @QE@ [ الطور - 27 ] فلم يزل يرددها حتى أذن المؤذن للصبح وأنا أنتظره ) ) . وقال القاسم بن معن : ( ( قام أبو حنيفة ليلة بهذه الآية @QB@ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر @QE@ [ القمر 46 ] . يرددها ويبكي ويتضرع ) ) . وقال وكيع : ( ( كان أبو حنيفة قد جعل على نفسه أن لا يحلف باله في عرض كلامه إلا تصدق بدرهم ، فحلف فتصدق به ، ثم جعل إنه حلف أن يتصدق بدينار ، فكان إذا حلف صادقا في عرض كلامه تصدق بدينار ، وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها ، وكان إذا اكتسى ثوبا جديدا كسى بقدر ثمنه الشيزخ من العلماء ، وكان إذا وضع بين يديه الطعام أخذ منه ضعف ما يأكله فيجعله على الخبز ثم يعطيه الفقير ، ووهب لمعلم ابنه حماد خمسمائة درهم لما ختم ، وجاءته امرأة تشتري منه ثوب خز فأخرج لها ثوبا فقالت : إنها ضعيفعة وإنها أمامنه فبعنيه بما يقوم عليك ، فقال : خذيه بأربعة دراهم ، فقالت : لا تسخر بي وأنا عجوز كبيرة ، فقال : إني اشتريت ثوبين فبعث أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم فبقي هذا بأربعة دراهم ) ) . وقال ابن المبارك للثوري : ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة ، ما سمعته يغتاب عدوا له قط ، قال : ( ( والله إنه أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها ) ) . وقال إسماعيل حفيده : كان عندنا رافضي له بغلان سمى أحدهما أبا بكر والآخر عمر فحرمه أحدهما فقتله ، فقيل : لجدي ، فقال : ما قتله إلا المسمى بعمر فكان كذلك . قلت : لأنه مظهر الجلال وأبو بكر مظهر الجمال . وكان بعض جماعة المنصور ببغضه ، فما رآنه عند المنصور قال : اليوم أقتله ، ثم قال له : إن أمير المؤمنين يأمرنا بضرب عنق الرجل ما ندري ما هو فهل لنا قتله ، قال : أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل ، قال بالحق ، قال الزم الحق حيث قال ولا تسأل عنه ، ثم قال لمن قرب منه : إن هذا أراد أن يوبقني فربطته . | ولد سنة ثمانين من الهجرة وتوفي ببغداد ، وقيل : في السجن على أن يلي القضاء سنة خمسين على المشهور ، أو إحدى أو ثلاث وخمسين ومائة في رجب ببغداد ، وقبره بها يزار ويتبرك به . ومن ورعة أنه أراد شراء أمة يتسرى بها ، فاستمر عشرين سنة يفتش السبايا ويسأل عنهن حتى اطمأنت نفسه بشراء واحدة . ومن كراماته أن أبا يوسف هرب صغيرا إليه من أمه ليتمه وفقره ، فجاءت أمه للإمام وقالت له : أنت الذي أفسدت ولدي فأعطاه لها ، ثم هرب إليه وتكرر منه ذلك فقال له الإمام وهو على تلك الحالة الضيقة : كيف بك وأنت تأكل الفالوذج في صحن الفيروزج ؟ فلما توفي ووصل أبو يوسف عند الرشيد ما وصل دعاه الرشيد يوما وأخرج له فالوذجا كذلك ، فضحك أبو يوسف فعجب منه الرشيد فسأله ، فقال : رحم الله أبا حنيفة ، وقص عليه القصة ، 1 ه . كلام الشيخ ابن حجر ملخصا واكتفينا بكلامه فإنه على المخالفين حجة ، وفيما نقله للموافقين كفاية ، لأن المطنب في نعته مقصر ، والمسهب في منقبته مختصر . وقد حكى أن الشافعي سمع رجلا يقع في أبي حنيفة فدعاه وقال : يا هذا أتقع في رجل سلم له جميع الناس ثلاثة أرباع الفقه ، وهو لا يسلم له الربع ، قال : وكيف ذلك ؟ قال : الفقه سؤال وجواب وهو الذي تفرد بوضع الأسئلة ، فسلم له له نصف العلم ، ثم أجاب عن الكل ، وخصومه لا يقولون إنه أخطأ في الكل فإذا جعل ما واقفوا فيه مقابلا بما خالفوا فيه سلم له ثلاثة أرباع العلم وبقي الربع مشتركا بين الناس . | ومما ذكره ابن حجر في مناقبه المسمى بالخيرات الحسان ، أن الشافعي قال : قلت : لمالك رأيت أبا حنيفة ، فقال : رأيته رجلا لو كلمك في السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته . ولما دخل الشافعي بغداد زار قبره وصلى عنده ركعتين فلم يرفع يديه في التكبير ، وفي رواية أن الركعتين كانتا الصبح وأنه لم يقنت ، فقيل له في ذلك فقال : أدبنا مع هذا الإمام أكثر من أن تظهر خلافه بحضرته ، قال ابن حجر : ( ( وتلمذ له كبار من الأئمة المتجتدين والعلماء الراسخين عبد الله بن المبارك والليث بن سعد الإمام مالك بن أنس ) ) 1 ه . ومنهم داود الطائي وإبراهيم ابن أدهم وفضيل بن عياض وغيرهم من أكابر السادة الصوفية رضي الله عنهم أجمعين ، وما استظل بحائط المديون حين أتاه متقاضيا ، وتصدق بجميع مال أتى به وكيله إليه لما خلط ثمن ثوب معيب بيع مخفيا ، قيل : وكان المال ثلاثين ألفا ، وترك لحم الغنم لما فقدت شاة في الكوفة سبع سنين لما قيل : إنها أكثر ما تعيش فيه . | ثم اعلم أن المؤلف لما قال فيما قدمه فأعلمت ما أغفله ، استشعر اعتراضا بأن الإعلام الحقيق إنما هو بإيراد الإسناد الكلبي ليترتب عليه معرفة رجاله التي يتوقف عليها الحكم بصحة الحديث وحسنه وضعفه وسائر أحواله ، فاعتذر عن الأشكال فقال : ( وإني إذا نسبت الحديث ) أي كل حديث ( إليهم ) أي إلى بعض الأئمة المذكورين المعروفة كتبهم بأسانيدهم بين العلماء المشهورين ( كأبي أسندت ) أي الحديث برجاله ( إلى النبي صلى الله عليه وسلم ) أي فيما إذا كان الحديث مرفوعا وهو الغالب ، وإلى أصحابه إذا كان موقوفا وهو المرفوع حكما ( لأنهم ) أي الأئمة ( قد فرغوا منه ) أي من الإسناد الكامل بذكرهم ، قال ابن حجر : أي من الإسناد المفهوم من أسندت على حد @QB@ وأن تعفوا أقرب للتقوى @QE@ [ البقرة - 237 ] 1 ه . ولا يخفى أن قوله : وأن تعفوا بتأويل المصدر مبتدأ خبره أقرب للتقوى ، والتقدير : وعفوكم أقرب للتقوى ، نحو @QB@ وأن تصوموا خير لكم @QE@ [ البقرة : 184 ] فالصواب أنه على حد @QB@ اعدلوا هو أقرب للتقوى @QE@ . ثم في أصله على حد وأن تعفوا هو أقرب وهو إما سهو من الكتاب ، أو وهم من مصنف الكتاب ، والله أعلم بالصواب . ( وأغنونا ) بهمزة قطع ، أي وجعلونا في غنى وكفاية ( عنه ) أي عن تحقيق الإسناد من وصله وقطعه ووقفه ورفعه وضعفه وحسنه وصحته ووضعته ، ومن ثم لزم الأخذ بنص أحدهم على صحة السند أو الحديث أو على حسنة أو أضعفه أو وضعه ؛ فعلم من كلام المصنف أنه يجوز نقل الحديث من الكتب المؤلفة المتعمدة التي اشتهرت أو صحت نسبتها لمؤلفيها ، كالكتب الستة وغيرها من الكتب المؤلفة وسواء في جواز نقله مما ذكر أكان نقله للعمل بمضمونه ولو في الأحكام ، أو للاحتجاج . ولا يشترط تعدد الأصل المنقول منه ، وما اقتضاه كلام ابن الصلاح من اشتراطه حملوه على الاستحباب والاستظهار ، ولكن يشترط في ذلك الأصل أن يكون قد قوبل على أصل معتمد مقابلة صحيحة ، لأنه حينذ يحصل به الثقة التي مدار الاعتماد عليا [ صحة ] واحتجاجا . نعم نسخ الترمذي مختلفة كثيرا في الحكم على الحديث بل وسنن أبي داود أيضا ، فلا بد من المقابلة على أصول معتمدة منهما . وعلم من كلام المصنف أيضا أنه لا يشترط في النقل من الكتب المعتمدة للعمل والاحتجاج أن يكون له به رواية إلى مؤلفيها ، ومن ثم قال ابن برهان : ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه ، بل إذا صحت عنده النسخة من السنن جاز له العمل بها وإن لم يسمع ، وشذ بعض المالكية فقال : اتفق العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويا ولو على أقل وجود الروايات ، لقوله عليه الصلاة والسلام : ( ( من كذب علي متعمدا فلينبوأ مقعده من النار ) ) ، وفي رواية بحذف متعمدا ، وتبعه الحافظ الزين العراقي ؛ فإنه بعد أن قرر أنه يقبح للطالب أن لا يحفظ بإسناده عدة أحاديث يتخلص بها عن كذا وعن كذا ، قال : ويتخلص به من الجرح بنقل ما ليست له به رواية ، فإنه غير سائغ بإجماع أهل الدراية ، وانتصر جماعة للأول . وقد يجمع بين الإجماعين المتعارضين بحمل الأول على ما إذا نظر في الأصل المعتمد وأخذ منه الحديث للعمل أو الاحتجاج ، والثاني على ما إذا حدث بأحاديثهما موهما نسبتها إليه قراءة وإسنادا ، فهذا لا يجوز لما فيه من مزيد التعزيز ، وبهذا اندفع ما أورد على الثاني من أنه يلزم عليه منع إيراد ما في الصحيحين أو أحدهما لم لا رواية له به ، وجواز نقل ما له به رواية وإن كان ضعيفا . ( وسردت الكتب والأبواب ) أي أوردتها ووضعتها متتابعة متوالية ( كما سردها ) أي رتبها وعينها الإمام البغوي في المصابيح ، ( واقتفيت ) أي اتبعت ( أثره ) بفتحتين وقيل بكسر الهمزة وسكون المثلثة أي طريقة ( فيها ) أي الكتب والأبواب من غير تقديم وتأخثر وزيادة عنوان وتغيير ، فإن ترتيبه على وجه الكمال وتبويبه في غاية من الحسن والجمال ، ويحتمل أن يكون تأكيدا لكمال المتابعة وتبرئة عما قد يرد على إيراده بعض الكتب والأبواب من وجوه المناسبة ( وقسمت ) بالتخفيف ( كل باب ) وكذا كل كتاب أي جعلته مقسوما ( غالبا ) أي في غالب الأحوال ( على فصول ثلاثة ) وقيد الغالبية بمعنى الأكثرية ، لأنه قد لا يوجد الفصل الثاني أو الثالث ، أو كلاهما في بعض الأبواب من الكتاب ( أولها ) أي أول الفصول في هذا الكتاب بدل قول البغوي في المصابيح من الصحاح ( ما أخرجه ) أي أورده أو أخرجه من بين الأحاديث ( الشيخان ) أي بزعم صاحب المصابيح لما سيأتي من قوله ( ( وإن عثرت على اختلاف الفصلين ) ) ، أو المراد في الغالب والنادر كالمعدوم ( أو أحدهما ) أي أحد الشيخين بزعمه أيضا ، وهما البخاري ومسلم في اصطلاح المحدثين ، وأبو يوسف ومحمد عند فقهاء الحنفية ، والرافعي والنووي عند الشافعية ( واكتفيت ) وفي نسخة واكتفى ، وهو يحتمل المعلوم التفاتأ ، والمجهول من الماضي والمضارع المتكلم المعروف وهو الأظهر ( بهما ) أي بذكرهما في التخريج ( وإن شرك ) وصلية لا تطلب جزاء ولا جوابا ( فيه ) أي في تخريجه ( الغير ) أي غيرهما من المحديثين والمخرجين كبقية الكتب الستة ونحوها ( لعلو درجتهما ) أي على سائر المخرجين مع الفرق بينهما ( في الرواية ) متعلق بالعلو ، أي في شرائط إسنادها والتزام صحتها ما لم يلتزمه غيرهما من المحدثين ، وإن كان غيرهما أعلى مرتبة منهما في علو الإسناد ، فإن البخاري أخذ عن أحمد بن حنبل وهو أخذ عن الشافعي وهو عن مالك ، ولذا قال بشر الحافي : ( ( إن من زينة الدنيا أن يقول الرجل حدثنا مالك [ كذا ] ) ) . وهذا يحتمل أن يكون مدحا للإسناد بمتقضى العلم الظاهر ، ويحتمل ذما بناء على التصوف الذي مبناه على علم الباطن كما قال بعضهم : ( ( حدثتا باب من أبواب الدنيا ) ) ، ولكنه محمول على ما إذا كان قصده السمعة وغرضه الرياء . | ثم أعلم أن الأئمة قد اختلفوا في شرطهما الذي التزماه ، فإنه لم يصرح واحد منهما به في كتابه ، والأظهر ما قاله أبو عبد الله الحاكم وصاحبه البيهقي : إن شرطهما أن يكون للصحابي المشهور بالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم روايان فأكثر ، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان ، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور ، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة ، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته ، وله رواه ، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة . وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني : ( ( وهو وإن انتقض في بعض الصحابة الذين أخرجا لهم فهو معتبر فيمن بعدهم ، فليس في استثناء الصحابة أصلا من رواية من ليس له إلا راه واحد فقط ) ) 1 هأ . قيل : والحاكم موافق على استنثاء الصحابة فكأنه رجع عن الأول ؛ ثم المراد بقوله في مستدركه : على شرطهما أو شرط أحدهما عند النووي وابن دقيق العيد والذهبي كابن الصلاح أن يكون رجال ذلك الإسناد بأعيانهم في كتابيهما ، أو كتاب أحدهما وإلا قال : صحيح فحسب ، ومخالفته لذلك في بعض المواضع تحمل على الذهول . هذا وقال السيد جمال الدين لو لم يكتف المصنف بهما وذكر في كل حديث غيرهما ممن رواه كان أولى وأنسب وأحرى وأصوب ، لأن الحديث وإن كان في أصل الصحة لا يحتاج إلى غيرهما ، لكن في الترجيح لا يستغنى عن ذكر غيرهما ، لأن الحديث الذي رواه الستة مثلا لا شك في ترجيحه على الذي رواه الشيخان أو أحدهما ولم يخرجه غيرهما ( وثانيها ) أي ثاني الفصول وهو المعبر عنه في المصابيح بقوله : من الحسان ( ما أورده غيرهما من الأئمة المذكورين ) وهو أبو داود والترمذي والنسائي والدارمي وابن ماجه ، فإن أحاديث المصابيح لا تتجاوز عن كتب الأئمة السبعة وأكثرها صحاح ( وثالثها ) وهو المعبر عنه بالفصل الثالث ( ما اشتمل على معنى الباب ) أي على معنى عقد له الباب ولم يذكره البغوي في الكتاب ( من ملحقات ) بفتح الحاء ومن بيانية لما اشتمل ( مناسبة ) بكسر السين أي مشاكله ، وفي صفة ملحقات ، والمراد به زيادات ألحقها صاحب المشكاة على وجه المناسبة بكل كتاب وباب غالبا لزيادة الفائدة وعموم العائدة ( مع محافظة على الشريطة ) أي من إضافة الحديث إلى الراوي الصحابة والتابعين ، ونسبته إلى مخرجه من الأئمة المذكورين . ولما كان صاحب المصابيح ملتزما للأحاديث المرفوعة في كتابه في الفصلين ولم يلتزم المصنف ذلك نبه عليه بقوله : ( ( وإن كان ) أي المشتمل ( مأثورا ) أي منقولا ومرويا ( عن السلف ) أي المتقدمين وهم الصحابة ( والخلف ) أي المتأخرين وهم التابعون . | واعلم أن تقديم السلف على الخلف ثابت في جميع النسخ المصححة ، وكأنه وقع في أصل ابن حجر سهو من تقديم الخلف على السلف واعتمد عليه ولتوجيهه تكلف ، وقال : ( ( الخلف هم [ من ] بعد القرون الثلاثة الأول التي أشار صلى الله عليه وسلم إليها بقوله : ( ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ) ، وقدمهم مع أن رتبتهم التأخير كما صرح به هذا الحديث لأن تقديمهم أنسب بالغاية المذكورة ، لأنه إذا أتى بالمأنور عنهم فما من السلف أولى . 1 ه . ولا يخفى أن هذا لا يصلح أن يكون سببا لتقديم الخلف على السلف ، نعم لو اقتصر على ذكر الخلف ونقل في كتابه عن السلف لكان يوجه بهذا التوجيه ، قال : والسلف وهم أهل القرون الثلاثة الذي هم خير الأمة بشهادة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وزعم ابن عبد البر أنه قد يكون في الخلف من هو أفضل من الصحابة مما تفرد به ، والأحاديث التي استدل بها ضعيفة أو محمولة على أن لهم مزية من حيث قوة الإيمان بالغيب والصبر على مر الحق في زمن الجور الصرف ، والمفضول قد توجد فيه مزية بل مزايا لا توجد في الفاضل ، ومن ثمة قيل لابن المبارك : ( ( إيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ ، فقال : الغبار الذي دخل في أنف فرس معاوية مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من مثل عمر [ بن عبد ] العزيز كذا [ و ] كذا مرة ) ) 1 ه . ولا يخفى أن ابن عبد البر ما أراد إلا هذا المعنى بهذه الحيثية يعينها ، وهي أن الخلف قد يوجد فيهم [ ال ] كمالات العلمية و [ 1 ] لرياضيات العملية والحقائق الأنسية والدقائق القدسية وحالات من الكرامات وخوارق العادات بحيث إنهم يكونون أفضل من بعض السلف ممن ليس له ذلك ، كأعرابي رأى النبي صلى الله عليه وسلم من بعد فإنه لا يقال في حقه إنه من جميع الوجوه أفضل من جميع الخلف من الأئمة المجتهدين والمشايخ المعتبرين ، وأما فضيلة نسبة الصحبة فلا ينكر مؤمن شرفها ، فإنه بمنزلة الإكسير في عظم التأثير . | ثم تفسير السلف والخلف على ما شرحه وإن كان صحيحا في نفس الأمر ولكن لا يلائم كلام المصنف ، فإنه لا يروي في كتابه إلا عن الصحابة والتابعين ويدل عليه أسماء رجاله المحصورين في ذكر الصحابة والتابعين ، فإذا فسر السلف بهم لا يبقى لذكر الخلف معنى وهذا خلف . | ( ثم ) أي بعد ما ذكرت لك إني التزمت متابعة صاحب المصابيح في كل باب ( إنك ] أي أيها الناظر في كتابي هذا ( إن فقدت ) أي من محله ( حديثا ) أي من أصله الذي هو المصابيح ( في باب ) مثلا ، أو في كتاب أيضا ، والمعنى ما وجدته بالكلية لئلا يشكل بنقله من باب إلى باب كما فعله في مواضع من الكتاب ( فذلك ) أي الفقد وعدم الوجد ليس صادرا عن طعن أو سهو بل صدر ( عن تكرير ) أي عن وقوع تكرار وفع في المصابيح ( أسقطه ) أي أحذف ذلك الحديث لتكريره ، وأذكر في موضع آخر بعينه من غير تغييره إذ لا داعي إلى إتيانه بعد ظهوره وبيانه ، ( وإن وجدت آخر ) أي صادقت حديثا آخر ( بعضه ) بالنصب بدل بعض من كل أي حال كونه ( متروكا ) أي بعضه حال كونه جاريا أو بناء ( على اختصاره ) يعني اختصار محييى السنة ، ويؤيده قوله فيما بعد : ( ( أتركه وألحقه ) ) ، ويحتمل عود الضمير إلى الحديث ويؤيده قوله : ( أو مضموما إليه تمامه ) كذا ذكره شيخ مشايخنا ميركشاه ، واقتصر الطيبي على الأول وتبعه ابن حجر ، والأظهر الثاني كما أفاده السيد جمال الدين بأنه حينئذ يكون الكلام على نسبق واحد ، وأما على الأول فيحصل تفكيك الضمير وهو غير ملائم ، ثم المعنى أو وجدت حديثا آخر مضموما إليه تمامه الذي أسقطه البغوي أو أتى به في محل آخر ( فعن داعي اهتمام ) الفاء جزائية ، أي فذلك الترك والضم لم يقع اتفاقا وإنما صدر ونشأ عن موجب اهتمام ، وقيل : عن بمعنى اللام أي فهو لأجل باعث اهتمام اقتضى أني ( اتركه ) أي على اختصاره في الأول ( وألحقه ) الواو بمعنى أو كما في نسخة ، أي وألحقه في الثاني لفوات الداعي والسبب إلى اختصاره ، فهو نشر مرتب ، قال الفاضل الطيبي : ( ( وذلك بأن تلك الرواية كانت مختصرة عن حديث طويل جدا فأتركه اختصارا ، أو كان حديثا يشتمل على معان جمة يقتضي كل باب معنى من معانيه ) ) ، وأرود الشيخ كلا في بابه ، فاقتفينا أثره في الإيراد وما لم يكن على هذين الوضعين أتتمناه غالبا ) ) 1 ه . قال السيد جمال الدين كذا قرره الشارح وحرره وأسند الاختصار والإتمام بصيغة المتكلم مع [ الغير ] من غير أن ينقل هذا الكلام من المؤلف ، وهذا الأمر من الشارح يحتمل أن يحمل على سماعه من المصنف ، ويحتمل أن يكون مراد الشارح أن هذا مقصود الماتن والله أعلم . ( وإن عثرت ) بتثليث المثلثة والفتح أولى أي اطلعت أيها الناظر في كتابي هذا ( على اختلاف ) أي بيني وبي صاحب المصابيح ( في الفصلين ) أي الأولين وبيان الاختلاف قوله ( من ذكر غير الشيخين ) أي من المخرجين ( في الأول ) أي في الحديث المذكور في الفصل الأول ( وذكرهما ) أي أو من ذكر الشيخين ( في الثاني ) أي من الفصلين ، بأن يسند بعض الأحاديث فيه إليهما ، أو إلى أحدهما ( فاعلم ) جزاء الشرط أي إن اطلعت على ما ذكر فاعلم أنه ما صدر عني سهوا أو غفلة فلا تظن هذا واعلم ( أني بعد تتبعي ) أي تفحصي وتجسسي ( كتابي الجمع ) تثنية مضاف ، أي كتابين أحدهما الجمع ( بين الصحيحين ) أي بين كتابي البخاري ومسلم المسميين بالصحيحين ( للحميدي ) متعلق بالجمع ، وهو بالتصغير نسبة لجده الأعلى حميد الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسي القرطبي ، وهو إمام عالم كبير مشهور ورد بغداد وسمع أصحاب الدار قطني وغيرهم ، ومات بها سنة ثمانين وأربعمائة ، ( وجامع الأصول ) بالجر عطفا على [ الجمع ] أي والآخر جامع الأصول أي الكتب الستة للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري الشهير بابن الأثير ، وله أيضا مناقب الأخيار وكتاب النهاية في غريب الحديث ، كان عالما محدثا لغويا وكان بالجزيرة وانتقل إلى الموصل ومات بها عام ست وستمائة ، ( اعتمدت على صحيحي الشيخين ومتنيهما ) عطف بيان وإنما لم يكتف بهما لأنه ربما يحتمل أن يتوهم أن تتبعه واستقراءه غير تام فإذا وافق الحميدي وصاحب جامع الأصول يصير الظن قويا بصحة استقراشه للموافقه ، ولو اكتفى بتتبع الجمع بن الصحيحين وجامع الأصول لاحتمل وقوع القصور في استقرائهما ، فبعد اتفاق الأربعة يمكن الحكم بالجزم على سهو البغوي ( وإن رأيت ) أي أبصرت أو عرفت أيها الناظر في المشكاة وأصلها مع أصولهما ( اختلافا في نفس الحديث ) أي في متنة لا إسناده بأن يكون لفظ الحديث في المشكاة مخالفا للفظ المصابيح ( فذلك ) أي الاختلاف ناشىء ( من تشعب طرق الأحاديث ) أي من اختلاف أسانيدها ورواتها حتى عند المؤلف الواحد ، إذ كثيرا ما يقع للشيخين أو أحدهما أو لغيرهما سوق الحديث الواحد من عدة طرق بألفاظ متباينة مختلفة المعاني تارة ومؤتلفتها أخرى ( ولعلي ) للإشفاق ، أي إذا وجدتني آثرت لفظ حديث على الذي رواه البغوي في المصابيح لعلي ( ما اطلعت ) أي ما وقفت ( على تلك الرواية التي سلكها الشيخ ) أي أطلقها وأوردها في مصابيحه ( رضي الله عنه ) إذ هو إمام كبير واطلاعه كثير ، فأحذفها وآتي باللفظ الذي اطلعت عليه ( وقليلا ما تجد ) زيادة ما لتأكيد القلة ، ونصب قليلا على المصدرية لقوله : ( أقول ) : أي وتجدني أقول قولا قليلا ما ، أي في غاية من القلة والمقول قوله : ( ما وجدت هذه الرواية ) أي مثلا ( في كتب الأصول ) أي أصول الحديث من الكتب المبسوطة التي هي أصول السبعة عند الشيخ ، أو مطلق الأصول ، ولا يبعد أن ينصب قليلا على الظرفيه ( أو وجدت ) من جملة المقول وأو للتنويع ( خلافها فيها ) أي خلاف هذه الرواية في الأصول ( فإذا وقفت عليه ) الضمير راجع إلى المصدر المفهوم من قوله : ( ( أقول ) ) أي إذا أطلعت على قولي بمعنى مقولي هذا ( فانسب ) بضم السين ، أي مع هذا ( القصور ) أي التقصير في التتبع ( إلي لقلة الدراية ) أي درايتي وتتبع روايتي ( لا ) أي لا تنسب القصور ( إلى جانب الشيخ ) أي إلى جانبه وساحة بابه ، لأنه كان من الأئمة الحفاظ المتقنين والعلماء الكاملين الراسخين . هذا ما ظهر لي من معنى الكلام في هذا المقام ، وقال ابن حجر : ( ( فإذا وقفت ، أي فإذا حذفت لفظا وأتيت بغيره حسبما أطلعت عليه ووقفت أنت عليه ، أي على ذلك اللفظ في الأصول فانسب [ إلي آخره ] ) ) . وأنا أقول أيضا بإلهام الناس الترضي والترحم عليه ، وفي العقبى بإعطاءه معالم القرب لديه ( حاشا ) بإثبات الألف ( لله ) أي تنزيلها له ( من ذلك ) أي من نسبة القصور إلى الشيخ ، وهذا غاية من المؤلف في تعظيمه ونهاية أدب منه في تكريمه ، وهو حقيق بذلك وزيادة ، فإن له حق الإفادة ونسبة السيادة : قال ابن حجر : حاشا حرف جر وضعت موضع التنزية والبراءة ، وفي مغني اللبيب : الصحيح أن حاشا اسم مرادف للتنزيه من كذا ، وزعم بعضهم : أنه اسم فعل معناه التبرئ والبراءة ، وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني : هو تنزيه واستثناء ، وقيل : معناه معاذ الله ، وقيل : إنه فعل ، قال السيد جمال الدين : قيل : الصحيح أنه اسم مرادف للتنزية بدليل أنه قرئ @QB@ حاش لله @QE@ [ يوسف - 51 ] في سورة يوسف بالتنوين ، وهو لا يدخل على الفعل والحرف ، وقرئ أيضا [ حاش الله ] بالإضافة وهي من علامات الاسم ، وحنيئذ قوله : ( ( لله ) ) لبيان المنزة والمبرأ كأنه قال : براءة وتنزيه ، ثم قال : لله بيانا للمبرا والمنزه ، فلامه كاللام في سقيا لك ، فعلى هذا يقال : معنى عبارة المشكاة أن الشيخ مبرا ومنزه عن قلة الدراية ، ثم أتى لبيان المنزة والمبرأ بقوله : لله وكان الظاهر أن يقول الله بلا لام وكأنها لإفادة معنى الاختصاص ، فكأنه يقول تنزيهه مختص لله تعالى وله أن ينزهه وليس لغيره ذلك ، وفيه غاية التعظيم لما هنالك ، ويحتمل أن يكون التقدير : وأقول في حقه التنزيه لله [ لا ] لأمر آخر ، وقيل : حاشا فعل وفسر الآية بأنه معناها : جانب يوسف الفاحشة لأجل الله ، وعلى هذا يرجع عبارة المشكاة بأنه جانب الشيخ ذلك القصور لأجل اله لا لغرض آخر ، أو قولنا في حقه حاشا إنما هو لله لا لأمر آخر ، وقيل : إنه اسم فعل بمعنى أنزه أو تبرأت واللام علة ، وقيل : إنه حرف وهو في هذا المقام ضعيف ، لأن كونه حرفا بمعنى الاستثناء وهو غير مستقيم هنا ، ولام الله أيضا يأبى عن الحرفية لأن الحرف لا يدخل على الحرف والله علم . ( رحم الله ) جملة دعائية كقول عمر رضي الله عنه : ( ( رحم الله امرأ أهدى إلي بعيوب نفسي ) ) ، أي اللهم ارحم ( من إذا وقف على ذلك ) أي على ما ذكر من الرواية التي أوردها الشيخ ولم أجدها في الأصول ( نبهنا عليه وأرشدنا ) فيه تجريد والمعنى هدانا ( طريق الصواب ) أي إليه بنسبة الرواية وتصحيحها إلى الباب والكتاب ، وهو إما محمول على الحقيقة بالمشافهة حال الحياة ، أو على المجاز بكتابة حاشية أو شرح بعد الممات ، إذ التصنيف لا يغير وإلا لم يوجد كتاب يعتبر ، ( ولم آل ) بمد الهمزة وضم اللام من ألا في الأمر : إذا قصر أي لم أترك ( حهدا ) أي سعيا واجتهادا ، وهو بضم الجيم وفتحه ، أي المشقة والطاقة ، وقيل : بالضم الطاقة وبالفتح المشقة ؛ قال بعض الشراح : معناه لم أمنعك جهدا ، وكأنه حمله عليه ما وجد في كلام العرب : لا آلوك نصحا ، وقرر تركيب العبارة على حذف المفعول الأول ، واستعمل آلو بمعنى أمنع إما تجوزا وإما تضمينا ، ويلزم منه التقصير ، والحال أن المعنى على اللزوم صحيح بأن جهدا يكون تمييزا أو حالا بمعنى مجتهدا ، أو منصوبا بنزع الخافض أي في الاجتهاد ، وأن يكون [ على تقدير ] متعديا إلى مفعولين يمكن أن يضمن الترك فيكون متعديا إلى مفعول واحد ، هذا حاصل كلام السيد جمال الدين . وقال البيضاوي في قوله تعالى : @QB@ لا يألونكم خبالا @QE@ [ آل عمران - 18 ] أي لا يقصرون لكم في الفساد والآلو التقصير وأصله أن يعدى بالحرف ، ثم عديإلى مفعولين كقولهم : لا آلوك نصحا على تضمين معنى المنع والنقص ، وقال أبو البقاء : يألو يتعدى إلى مفعول واحد ( ( خبالا ) ) تمييز أو منصوب بنزع الخافض ، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال والأظهر ما حققه القاضي أنه في أصله لازم ففي عبارة المشكاة إما يضمن معنى الترك فيكون ( جهدا ) مفعولا به ، أو يبقي على معناه الألي وينصب ( ( جهدا ) ) على أحد الاحتمالا ت الثلاث ، والمعنى لم أقصر لكم أو الله ( في التنقير ) أي في البحث والتجسس عن طرق الأحاديث واختلاف ألفاظها ( والتفتيش ) عطف بيان لما قبله ( بقدر الوسع والطاقة ) أي بمقدار وسعي وطاقتي في التفحص ^ ( ولا يكلف الله نفساط إلا وسعها ) ^ [ البقرة : 286 ] والطاقة عطف بيان ، وإيراد الألفاظ المترادفة في الديباحات والخطب متعارف عند الفصحاء غير معايب عند البلغاء ( ونقلت ذلك الاختلاف ) أي المختلف فيه ( كما وجدت ) أي كما رأيته ( في الأصول ) ولا اكتفيت بتقليد الشيخ ولو كان هو من أجلاء أرباب النقول ، وقال ابن حجر : ( ( أي ومن ثمة نقلت ذلك الاختلاف كما وجدته في الأصول من غير أن أتصرف فيه بتغيير أو بتبديل حتى أنسب كلا إلى مخرجه باللفظ والمعنى لا المعنى فحسب ، لوقوع الخلاف المشهور في جواز رواية الحديث بالمعنى ، وهو وإن جاز على الأصح للعارف بمدلولات الألفاظ ومعانيها لكن التنزه عنها أولى خروجا من الخلاف ) ) 1 ه . فتدبر يتبين لك الأظهر في حمل العبارة عليه وإن كان في أصل الكلام منه لا مناقشة لنا لديه ، مع أن التجويز المذكور والاختلاف المسطور إنما هو في نقل الراوي الحديث من شيخه أما مطلقا ، أو حال كونه ناسيا على المتعمد ، وأما نقل حديث من كتاب بالبخاري وغيره وإسناده إليه من غير أن يبين أنه نقل بالمعنى فلا يجوز إجماعا والله أعلم . | ( وما أشار إليه ) أي الشيخ محييى السنة صريحا أو كناية ( رضي الله عنه ) جملة دعائية معترضة بين المبين والمبين وهو قوله ( من غريب ) أي حديث غريب ، وهو ما تفرد به الراوي عن سائر رواته ولم يشرك معه أحدا في روايته عن الراوي عنه ( أوضعيف ) وهو ما لم يجتمع فيه صفات الصحيح والحسن بأن يكون في أحد رواته قدح أو تهمه ( أو غيرهما ) اعتبارا لا حقيقية ، إذ ما عدا الصحيح والحسن داخل تحت أنواع الضعيف ، والمراد بغيرهما نحو منكر وهو ما رده قطعي أو رواه ضعيف مخالف لثقة ، أو شاذ وهو ما خالف الثقة من هو أوثق منه ، أو معلل وهو ما فيه علة خفية غامضة قادحة لم يدركها إلا الحذاق . واعلم أن معرفة أنواع الحديث وبيان حدودها وما يتعلق بها من قيودها يحتاج إلى بسط في الكلام ليس هذا موضع إيرادها ، وقد أوردنا في شرح النخبة ما يستفيد بذكره المبتدئ ولا يستغني عن تذكره المتتهى ( بينت وجهه ) أي وجه غرابته أو غرابته أو ضعفه أو نكارته ( غالبا ) أي في أكثر المواضع ولعل ترك التبيين في بعض مواضعه لعدم العلم به أو لاختلاف فيه أو لغير هذا . وقد قال السيد جمال الدين : ( ( المتبادر إلى الفهم من هذه العبارة أن أحاديث الحسان من المصابيح المعبر عنه في المشكاة بالفصل الثاني : كل حديث ذكر الشيخ فيه أنه غريب أو ضعيف أو منكر بين المصنف وجهه بأن يقول : أي الراوي تفرد به أو غير ثقة أو مخالف لما هو أوثق ونحوه بذكره منشئه ، والحال أنه لم يفعل ذلك بل في كل حديث ذكر محيي السنة أنه ضعيف أو غريب ذكر المصنف قائله الذي هو الترمذي في غالب الأحوال من أرباب الأصول وعينه ، وغاية ما في الباب يشير الترمذي أحيانا إلى وجه الغرابة وبيان الضعف ، وهذا الصنيع من المصنف يقتضي أنه لم يجعل محيي السنة أهلا للحكم بالضعف والصحة في الحديث فلا جرم نسبته إلى من له أهلية ذلك ) ) انتهى فيكون المعنى : بينت وجهه بنسبة الحكم عليه بذلك إلى أهله المرجوع إليهم فيه ، وهذا يحتمل على أن يكون تقوية للشيخ لا سلب الأهلية عنه ، فالعلمان خير من علم واحد بل في هذا هضم لنفس المصنف أن يكون له أهلية لذلك ( وما لم يشر إليه ) أي الشيخ ( مما في الأصول ) أي مما أشير إليه من المنقطع والموقوف والمرسل في جامع الترمذي وسنن أبي داود والبيهقي وهو كثير ( فقد قفيته ) بالتشديد ، أي تبعته تأسيا به كذا قاله الطيبي ، وتبعه ابن حجر وكتب ميرك في هامش الكتاب : قفوته بالواو ورقم عليه ظ إشارة إلى أنه الظاهر ، وكتب عمه السيد جمال الدين في أول شرح المشكاة : ( ( إن إصل سماعنا وجميع النسخ الحاضرة المعتمدة صححت بتشديد الفاء من التقفية ، وهي تستعمل في كلام العرب بعلى والباء وقد جاء في التنزيل @QB@ وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم @QE@ [ المائدة - 46 ] وتستعمل أيضا بمن والباء ، قال تعالى : ^ ( وقفينا من بعده الرسل ) ^ [ البقرة : 87 ] والمعنى ههنا على التتبع فكان المناسب أن يكون بتخفيف الفاء وبالواو من القفو ) ) انتهى . وحاصل المناقشة أنه بالتشديد متعد إلى مفعولين بأحد الاستعمالين المذكورين ، وبالتخفيف والباء غير وارد وكلاهما مدفوع ، فإنه ذكر في مختصر النهاية قفيته وأقفيته تبعته واقتديت به [ و ] في القاموس قفويه تبعته كتقفيته واقتفيته وقفيته زيدا أي أتبعته إياه ، 1 ه . والظاهر من الآيات القرآنية أن قفي بالتشديد متعد بنفسه إلى واحد وبالباء إلى اثنين ، ولذا قال البيضاوي في قوله تعالى : ^ ( وقفينا من بعده بالرسل ) [ البقرة - 87 ] أي ( ( بمشكاة المصابيح ) ) أرسلنا على أثره الرسل ، [ كقوله تعالى : ^ ( ثم أرسلنا تترى ) ^ [ المؤمنون - 44 ] يقال : قفاه إذا اتبعه وقفاه به إذا أتبعه من القفا نحو ذنبه من الذنب ) ) . انتهى وعلى تقدير تسليم أنه متعد بنفسه إلى مفعولين فأمره سهل بأن يكون لاالمعنى أتبعت نفسي إياه ( في تركه ) وهو يحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله ، أي في ترك الشيخ الحكم على الحديث بشيء أو في ترك المشار إليه بالموافقة معه في السكوت عليه ( إلا في مواضع ) أي قليلة أبينها ( لغرض ) قال الفاضل الطيبي : ( ( وذلك أن بعض الطاعنين أفرزوا أحاديث من المصابيح ونسبوها إلى الوضع ، ووجدت الترمذي صححها أو حسنها ، وغير الترمذي أيضا فبينته لرفع التهمة كحديث أبي هريرة : ( ( المرء على دين حليلة ) ) فإنهم صرحوا بوضعه ، وقال الترمذي في جامعه إنه حسن ، وقال النووي في الرياض : ( ( إنه صحيح الإسناد ) ) . ومن الغرض أن الشيخ شرط في الخطبة أنه أعرض عن ذكر المنكر ، وقد أتى في كتابه بكثير منه وبين في بعضها كونه في الخطبة أنه أعرض عن ذكر المنكر ، وقد أتى في كتابه بكثير منه وبين في بعضها كونه منكرا وترك في بعضها فبينت أنه منكر ) ) [ 1 ه ) . قال السيد جمال الدين : والجواب من قبل صاحب المصابيح أن يقال مراده أنه أعرض من المنكر المجمع على نكارته ، والذي أورده هو من قبيل المختلف فيه ، وصرح بإنكار البعض لئلا يحمل على ذهوله ، وأعرض عن بيان البعض لأن الحكم بنكارته كان غير معتبر عنده . [ وربما ] بالتشديد أشهر واللتقليل أظهر ما كافة ( تجد ] أي أيها الناظر في المشكاة ( مواضع مهملة ) أي غير مبين فيها ذكر مخرجيها ( وذلك ) أي الإهمال وعدم التبيين ( حيث لم أطلع على راويه ) أي مخرجه ( فتركت البياض ) أي عقب الحديث دلالة على ذلك ( فإن عثرت عليه ) أي اطلعت ( أيها الناظر ) على مجرجه ( فألحقه ) أي ذكر المخرج ( به ) أي بذلك الحديث واكتبة في موضع البياض ، [ و ] قال ابن حجر : ألحقه بذلك البياض وفيه مسامحة لا تخفى ( أحسن الله جزاءك ) أي على هذا العمل ، والجزاء ممدود بمعنى الثواب ، وفيه إشارة لما ورد عن أسامة مرفوعا : ( ( من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك اله خيرا فقد أبلغ في الثناء ) ) رواه الترمذي والنسائي وابن حبان . هذا وقد بين بعض العلماء المواضع المهملة في حاشية الكتاب تكمله ، وترك البياض في أصل المصنف ليدل على أن التبيين من غير المؤلف ( وسميت الكتاب بمشكاة المصابيح ) قال الطيبي : ( ( وعي المناسبة بين الاسم والمعنى ، فإن المشكاة يجتمع فيها الضوء فيكون أشد تقويا بخلاف المكان الواسع ، والأحاديث إذا كانت غفلا عن سمة الرواة انتشرت ، وإذا قيدت بالراوي انضبطت واستقرت في مكانها ) ) 1 ه وتبعه ابن حجر ، وقال ميرك : ( ( لأظهر في وجه المطابقة أن كناية محيط ومشتمل على ما في المصابيح من الأحاديث كما أن المشكاة محيطة ومشتملة على المصباح ) ) 1 ه ويمكن أن يقال : مراده بالمصابيح الأحاديث الواردة في كتابه مما في المصابيح وغيره مشهبا بها لأنها آيات نورانية ودلالات برهانية صدرت من مشكاة صدر الأنبياء ليقتدي بها أمته من العلماء والأولياء في بيداء الضلالة وصحراء الجهالة ، وبهذا المعنى ورد : ( ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) ) ، وشبه كتابه من حيث إنه جامع لها ومانع من تفرقها بالمشكاة وهي : الكوة الغير النافذة ، ويحتمل أن يقال : فيه معنى التورية ، وهي : أن يؤتي [ بكلمة ] لها معنيان أحدهما قريب والآخر بعيد ويكون المراد البعيد . ( وأسال الله التوفيق ) أي جعل أمور المريد على وفق المراد ، وهو في عرف العلماء : ( ( خلق قدرة العبد في الطاعة والعبادة ) ) . ( والإعانة ) أي في الدين والدنيا والآخرة ، أو على ما قصدت ( والهداية ) أي الدلالة على ما أردت أو ثبات الهداية من البداية إلى النهاية ( والصيانة ) أي الحفظ والحماية من العقائد الدينة والأحوال الردية ، أو العصمة عن الخطل الزلل ، أو عما يمنع إتمام الكتاب والتفتيش والتنقيرب ( وأن ينفعني به ) أي الله بهذا الكتاب على سبيل المجاز ( في الحياة ) أي بالمباشرة ( وبعد الممات ) بالسبية ، أو في الحياة بأن يجعله سببا لزيادة الأعمال وباعثا للترقي إلى علو الأحوال وبعد الممات بوصول أعلى الدرجات وحصول أعلى المقامات ( وجميع المسلمين والمسلمات ) عطف على الضمير المنصوب في ينفعني ، أي وأن ينفع بقراءته وكتابته ووقفه ونقله إلى البلدان ونحو ذلك ( حسبي الله ) وفي نسخة بواو العطف ، أي الله كافي في جميع أموري ( ونعم الوكيل ) أي الموكول إليه ، يعني هو المفوض إليه والمعتمد عليه والمخصوص بالمدح محذوف هو هو ( ولا حول ) أي عن مصية الله ( ولا قوة ) أي على طاعتبه ( إلا بالله ) أي بعصمته ومعونته ( العزيز ) أي الغالب على ما يريد ، أو البديع الذي ليس كمثله شيء ( الحكيم ) أي صاحب الحكم والحكمة على وجه الإتقان والإحكام ، قال ابن حجر : ( ( ذكر هذين الاسمين لأنهما الواردان في ختم هذه الكلمة دون ما اشتهر من ختمها بالعلي العظيم على أن في بعض نسخ الحصين الحصين للحافظ الجزري رواية ختمها بالعلي العظيم ، فلعله رواية أخرى ) ) 1 ه . | اعلم أن الرواية الصحيحة هي ( ( العزيز الحكيم ) ) على ما في مسلم كل نقله صاحب المصابيح وتبعه صاحب المشكاة ، وكذا هو في أصل الحصن الحصين ، وكتب على حاشيته العلي العظيم ونسب إلى البراز والله أعلم . | ولما كان ينبغي لكل مصنف كما صرح به جمع من الأئمة أن يبدأ كتابه بالحديث الآتي المسمى بطليعة كتب الحديث ، تنبيها على تصحيح النية والإخلاص لكل من العالم والمتعلم ، وإنه الأساس الذي يبنى عليه جميع الأحوال من العقائد والأعمال ، وعلى أن أول الواجبات قصد المقصد بالنظر الموصل إلى معرفة الصمد ، فالقصد سابق وما بقي لاحق ، وإن طالب الحديث حكم المهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعليه أن يراعي الإخلاص ليصل إلى مقام الاختصاص بدأ به المصنف اقتداء بالبغوي لا تبعا للبخاري كما قاله ابن حجر فقال : | 1 - ( عن عمر بن الخطاب ) وهو الناطق بالصواب المسمى بالفاروق على ما دل عليه الكتاب ، وأول من سمي بأمير المؤمنين فيما بين الأصحاب ( رضي الله عنه ) وهو عدوي قرشي يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في كعب بن لؤي ، كناه النبي صلى الله عليه وسلم بأبي حفص ، وهو لغة الأسد ، ولقبه بالفاروق لفرقاته بين الحق والباطل ، قال القاضي في تفسيؤره عند قوله تعالى : @QB@ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت @QE@ [ النساء 60 ] عن ابن عباس رضي اله عنهما أن منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعاءه المنافق إلى كعب بن الأشرف ، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم لليهودي فلم يرض المنافق وقال : نتحاكم إلى عمر ، فقال اليهودي لعمر : قضى لي رسول الله فلم يرض بقضائه وخاصم إليك ، فقال عمر للمنافق : أكذلك ؟ قال : نعم ، فقال : مكانكما حتى أخرج إليكما ، فدخل فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد وقال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله ، فنزلت وقال جبريل : إن عمر فرق بين الحق والباطل ، فسمي الفاروق ، وقيل : بإسلامه إذ أمر المسلمين قبله كان في غاية من الخفاء ، وبعده على غاية من الظهور والجلاء . أسلم بعد أربعين رجلا وعشرة امرأة سنة ست من النبوة ، وقيل : أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ثم أسلم عمر فنزلت : @QB@ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين @QE@ [ الأنفال - 64 ] . | بويع له بالخلافة بعد موت الصديق بعهده إليه ونصه عليه سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، ففتح البلاد الكثيرة والفتوح الشهيرة ، واستشهد على يد نصراني اسمه أبو لؤلؤة غلام مغيرة بن شعبة بالمدينة في صلاة الصبح من يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة عام ثلاث وعشرين من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين على الأصح ، وكانت خلافته عشر سنين ونصفا ، وصلى عليه صهيب . روى عنه أبو بكر وباقي العشرة وخلق كثير من الصحابة والتابعين ؛ أحاديثه المرفوعة خمسمائة وسبعة وثلاثون [ له في الصحيحين أحد وثمانون انفرد البخاري منها بأربعة وثلاثين ومسلم بأحد وعشرين ] نقش خاتمة كفى بالموت واعظا . كان شديدا في أمر الله ، عاقلا مجتهدا صابرا محتسبا ، جعل الحق على لسانه وأعز الدين به واستبشر أهل السماء بإسلامه ، وله فضائل لا تحد وشمائل لا تعد . | ( قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ) قيل : كلمة إنما بسيطة وقيل : مركبة من إن وما الكافة أو الزائدة للتأكيد ، وقيل : مركبة من إن النافية فهي عاملة بركنيها إيجابا ونفيا ، فيحرف التحقيق . تثبت الشيء وبحرف النفي تنفي ما عداه ، وما اعترض عليه من لزوم اجتماع الضدين على شيء واحد ومن أن إن وما كلاهما يقتضي الصدارة مدفوع بأن هذا إنما هو قبل التركيب وأما بعده فقد صار علما مفردا على إفادة الحصر ، وتضاعيفه يفيد القصر لأنه ليس إلا تأكيدا للحكم على تأكيد ، واتفق أهل العربية والأصول على أنها موضوعة للحصر خلافا لما نقل عن أكثر النجاة لصحة إنما قام زيد في جواب هل قام عمرو : كما يجاب بما قام إلا زيد ، ولورود قوله تعالى : @QB@ أنما على رسولنا البلاغ المبين @QE@ [ المائدة - 92 ] @QB@ وما على الرسول إلا البلاغ @QE@ [ النور - 54 ] وإذا تقرر أنها للحصر فتثبت المذكور وتنفي الحكم عن غيره في نحو إنما قام زيد ، أي لا عمرو ، أو غير الحكم عن المذكور في نحو إنما زيد قائم أي لا قاعد ؛ ومما يدل له حديث : ( ( إنما الماء من الماء ) ) فإن الصحابة الآخذين بقضيته لم يعارضهم جمهورهم القائلون بوجوب الغسل وغن لم ينزل بأن إنما لا تفيده ، وإنما عارضوهم بأدلة أخرى كحديث : ( ( إذا التقى الختانان وجب الغسل ) ) . وقد استدل ابن عباس لما تفرد به ، قيل : ورجع عنه لما اشتد إنكار أبي سعيد الخدري عليه بخبر : ( ( إنما الربا في النسيئة ، ولم تنازعه الصحابة فيه بل عارضوه في الحكم بأدلة أخرى فدل على اتفاقهم على أنها للحصر ؛ فالتقدير : إن الأعمال تعتبر إذا كانت بنية ولا تعتبر إذا كانت بلا نية فتصير إنما بمعنى ما وإلا ، وقيل : الحصر مستفاد من الجمع المحلى باللام فإنه مفيد للاستغراق وهو مستلزم للحصر ، فالتقدير : إن الأعمال تعتبر إذا كانت بنية ولا تعتبر إذا كانت بلا نية فتصير إنما بمعنى ما وإلا ، وقيل : الحصر مستفاد من الجمع المحلى باللام فإنه مفيد للاستغراق وهو مستلزم للحصر ، فالمعنى : ليست الأعمال حاصلة إلا بالنية ، ولا يمكن هنا نفي نفس الأعمال لثبوتها حسا وصورة من غير اقتران النية بها ، فلا بد من إضمار شيء يتوجه إليه النفي ويتعلق به الجار ، فقيل : التقدير صحيحة أو تصح كما هو رأي الشافعي وأتباعه ، وقيل : كاملة أو تكمل على رأي أبي حنيفة وأصحابه ، والأظهر أن المقدر معتبرة أو تعتبر ليشمل الأعمال كلها سواء كانت عبادات مستقلات كالصلاة والزكاة فإن النية تعتبر لصحتها إجماعا أو شروطا في الطاعات كالطهارة وتسر العورة ، فإنها تعتبر لحصول ثوابها اتفاقا لعدم توقف الشروط على النية في الصحية خلافا للشافعي في الطهارة فعليه بيان الفرق أو أمورا مباحة فإنها قد تنقلب بالنيات حسنات كما أنها قد تنقلب سيئآت بلا خلاف . غاية ما في الباب أن متعلق الصحة والكمال يعرف من الخارج ولا محذور فيه ، ويدل على ما قلنا إن الأعمال جمع محلى باللام فيستغرق كل عمل سواء كان من العبادات أو غيرها . ويشمل المتروكات أيضا فإنه لا ثواب في ترك الزنا والغضب ونحوهما إلا بالنية وإن كان صحيحة بدونها ، وكان هذا ملحظ من قال : المراد أعمال المكلفين ، ويؤيده ما قال ابن دقيق العيد : ( ( ولا تردد عتدي أن الحديث يشمل الأقوال ) ) . | ثم الباء للاستعانة وقيل : للمصاحبة ليعلم منه وجوب المقارنة ، لكنها تشعر بوجوب استصحابها إلى آخر العمل لأنه الظاهر من المعية ولا قائل به ؛ نعم يشترط اتفاقا استصحابها مع العمل حكما بأن لا ينشىء منافيا ، وأيضا تشير إلى عدم جواز تقدمها على العمل ، وهو منقوض بنية الزكاة فإنها جائزة عند إفراد مال الزكاة ، وبنية الصوم في الليل فإنها أفضل بلا خلاف فالأولى هي الأولى ، وأوقات النيات في العبادات مختلفة محل بسطها الكتب الفقهيات . | والنية - بتشديد الياء وقد تخفف - لغة : القصد ، وشرعا توجه القلب نحو الفعل ابتغاء لوجه الله ، والقصد بها تمييز العبادة عن العادة ، فإن قيل : النية عمل من أعمال القلب فيحتاج إلى النية ويتسلسل ، أجيب بأن المراد أعمال الجوارح بدلالة العقل ، وبدليل الخبر المعتبر : ( ( نية المؤمن خير من عمله ) ) ، وبدليل أن في العرف لا يطلق العمل على فعل التاوي 1 ه . وفيه أن سائر أعمال القلوب لا تعتبر شرعا إلا بالنية ، وأن معنى الحديث عمل النية خير من عمل الجارحة لوجوه ذكرها الحجة لفي الإحياء ، وأنه لا عبرة بالعرف مع أنه يختلف ، فالأظهر في الجواب استثناء النية وكذا الأمور الاعتقادية للدلالة العقلية , | ثم لا يخفى أن النية باللسان مع غفلة الجنان غير معتبرة لما ورد من : ( ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ) ، وفي رواية : ( ( ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم ) ) ؛ فلو نوى الظهر بقلبه في وقته وتلفظ بنية العصر لا يضر ه بخلاف العكس . وهذا معنى قولهم : ( ( ولا معتبر باللسان ) ) ، واختلفوا في التلفظ بما يدل على النية بعد اتفاقهم أن الجهر بالنية غير مشروع سواء يكون إماما أو مأموما أو منفردا فالأكثرون على أن الجمع بينهما مستحب ليسهل تعقل معنى النية واستحضارها ، قال صاحب الهداية : ( ( ويحسن لاجتماع عزيمته ) ) ، قال المحقق الإمام ابن الهمام : قال بعض الحفاظ : ( ( لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق صحيح ولا ضعيف أنه كان عليه الصلاة والسلام يقول عند الافتتاح أصلي كذا ولا عن أحد من الصحابة والتابعين ، بل المنقول أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا قام إلى الصلاة كبر وهذه بدعة ) ) 1 ه . قال : ( ( وقد يفهم من قول المصنف لاجتماع عزيمته إذا قام إلى الصلاة كبر وهذه بدعة ) ) 1 ه . قال : ( ( وقد يفهم من قول المصنف لاجتماع عزيمته أنه لا يحسن لغير هذا القصد وهذا لأن الإنسان قد يغلب عليه تفرق خاطره فإذا ذكر بلسانه كان عونا على جمعه ، ثم رأيته في التجنس ، قال : والنية بالقلب لأنه عمله والتكلم لا معتبر به ومن أختاره أختاره لتجتمع عزيمته ) ) 1 ه كلامه . وقيل : لا يجوز التلفظ بالنية فإنه بدعة ، والمتابعة كما تكون في الفعل تكون في الترك أيضا ، فمن واظب على فعل لم يفعله الشارع فهو مبتدع [ و ] قد يقال : نسلم إنها بدعة لكنها مستحسنة استحبها المشايخ للاستعانة على استحضار النية لمن احتاج إليها وهو عليه الصلاة والسلام وأصحابه لما كانوا في مقام الجمع والحضور لم يكونوا محتاجين إلى الاستحضار المذكور ، وقيل : التلفظ شرط لصحة الصلاة ونسبوه إلى الغلط والخطأ ومخالفة الإجماع ، لكن له محمل عندنا مختص بمن ابتلي بالوسوسة في تحصيل النية وعجز من أدائها فإنه قيل في حقه : إذا تلفظ بالنية سقط عنه الشرط دفعا للحرج ، وأغرب ابن حجر وقال : إنه عليه الصلاة والسلام نطق بالنية في الحج فقسنا عليه سائر العبادات ، قلنا له : ثبت العرش ثم انقش [ من جملة الواردات ] فإنه ما ورد نويت الحج وإنما ورد اللهم إني ( ( أريد الحج ) ) الخ ، وهو دعاء وإخبار لا يقوم مقام النية إلا بجعله إنشاء وهو يتوقف على العقد ، والقصد الإنشائي غير معلوم فمع يقوم مقام النية إلا بجعله إنشاء وهو يتوقف على العقد ، والقصد الإنشائي غير معلوم فمع الاحتمال لا يصح الاستدلال ، ومع عدم صحته جعله مقيسا محال . ثم قال : وعدم وروده لا يدل على عدو وقوعه ، قلنا : هذا مردود بأن الأصل عدم وقوعه حتى يوجد دليل وروده ، وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قام إلى الصلاة فكبر فلو نطق بشيء آخر لنقلوه عنه ، وورد في حديث المسيء صلاته أنه قال له : ( ( إذا قمت إلى الصلاة فكبر ) ) ، فدل على عدم وجود التلفظ ، وذكر أبو داود أنه قال : قلت للبخاري : هل تقول شيئا قبل التكبير فقال : لا . انتهى . وبما ذكرناه يتبين فساد بقية كلام ابن حجر من قوله : ( ( وأيضا فهو عليه الصلاة السلام لا يأتي إلا بالأكمل ، وهو أفضل من تركه إجماعا ، والنقل الضروري حاصل بأنه لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره ، فثبت أنه أتى في نحو الوضوو والصلاة بالنية مع النطق ولم يثبت أنه تركه والشك لا يعارض اليقين ) ) 1 ه . وقد علمت أن الأفضل المكمل عدم النطق بالنية مع أن دعوى الإجماع غير صحيحة ، فإن المالكية [ قالوا بكراهته ] ، والحنبلية نصوا على أنه بدعة غير مستحب ، وإن أراد [ به ] الاتفاق بين الشافعية والحنفية فليس على الإطلاق بل محله إن احتاج إليه بالاستعانة عليه ، وقد ثبت تركه عند الحفاظ المحدثين لا ريب . فقوله : ( ( والشك لا يعارض اليقين ) ) مجازفة عظيمة من أعجب العجائب الذي يتحير فيه أولو الألباب ، حيث جعل الوهم يقينا وثبوت الحفاظ ريبا ؛ لا يقال : المثبت مقدم على الناقي لأنا نقول : محله إذا تعارض دليلان أحدهما على النفي والآخر على الإثبات ، والخصم هنا سواء جعلناه مثبتا أو نافيا ليس معه دليل ، ودليلنا على النفي ثابت بنقل المحدثين المؤيد بالأصل الذي هو عدم الوقوع ، فتأمل فإنه موضع زلل ومحل خطل . ثم رأيت ابن القيم ذكر في زاد المعاد في هدى خير العباد وهذا لفظه : ( ( كان عليه الصلاة والسلام إذا قام إلى الصلاة قال : الله أكبر ولم يقل شيئا قبلها ولا تلفظ بالنية ولا قال أصلي لله صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماما أو مأموما ، ولا قال أداء ولا قضاء ولا فرض الوقت ؛ وهذه عشر بدع لم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظه واحدة [ منها ] ألبته ، بل ولا عن أحد من الصحابة ولا استحبه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة وإنما غر بعض المتأخرين قول الشافعي في الصلاة : ( ( إنها ليست كالصيام لا يدخل فيها أحد إلا بذكر ) ) فظن أن الذكر تلفظ المصلي بالنية ، وأن مراد الشافعي بالذكر تكبيرة الإحرام ليس إلا ، وكيف يستحب الشافعي أمرا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة واحدة ولا أحد من خلفائه وأصحابه ، وهذا هديهم وسيرتهم فإن أوجدنا أحد حرفا واحدا عنهم في ذلك قبلناه وقابلناه بالقبول والتسليم ولا هدي أكمل من هديهم ولا سنة إلا ما تلقوه عن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم ) ) 1 ه . وصرح السيد جمال الدين المحديث بنفي رواية التلفظ بالنية عن المحدثين ، وكذا ذكره الفلايروزآباري صاحب القاموس في كتابه المسمى بالصراط المستقيم ، وقال القسطلاني في المواهب : ( ( وبالجملة فلم ينقل أحد أنه عليه الصلاة والسلام تلفظ بالنية ، ولا علم أحدا من أصحابه التلفظ بها ولا أقره على ذلك ، بل المنقول عنه في السنن أنه قال : ( ( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ) ) . نعم اختلف العلماء في التلفظ بها فقال قائلون : هو بدعة لأنه لم ينقل فعله ، وقال آخرون : هو مستحب لأنه عون على استحضار النية القلبية ، وعبادة للسان كما أنها عبودية للقلب والأفعال المنوية عبادة الجوارح ، وبنحو ذلك أجاب الشيخ تقي الدين السبكي والحافظ عماد الدين ابن كثير وأطنب ابن القيم في الهدى في رد الاستحباب وأكثر من الاستدلال بما في ذكره طول يخرجنا عن المقصود ، لا سيما والذي استقر عليه أصحابنا استحاب النطق بها ، وقاسه بعضهم على ما في الصحيحين من حجيث أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة ن جميعا يقول : ( ( لبيك عمرة وحجة ) ) ، وهاذ تصريح باللفظ والحكم كما يثبت بالنص يثبت بالقياس ؛ لكنه تعقب هذا بأنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك في ابتداء إحرامه تعليما للصحابة ما يهلون به ويقصدونه [ من النسك ] ، ولقد صلى عليه الصلاة والسلام ثلاثين ألف صلاة فلم ينقل عنه أنه قال : نويت أصلي صلاة كذا وكذا ، وتركه سنة كما أن فغله سنة فليس لنا أن نسوي بين ما فعله وتركه فتأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله ، والفرق بين الحج والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما بالآخر . | ثم اللام في الينات عوض عن المضاف إليه أي إنما الأعمال بنياتها ، أو الحديث من باب مقابلة الجمع بالجمع على حد ركب القوم دوابهم . | قال ابن الهمام : هذا حديث مشهور متفق على صحته ، وأما ألفاظه : فإنما الأعمال بالنيات وبالنية والأعمال بالنية والعمل بالنية كلها في الصحيح ، وأما الأعمال بالنيات كما في الكتاب يعني الهداية ، فقال النووي في كتابه بستان العارفين ولم يكمل [ 5 ] نقلا عن الحافظ أبي موسى الأصفهاني : إنه لا يصح إسناده وأقره ، ونظر بعضهم فيه إذا قد رواه كذلك ابن حبان في صحيحة ، والحاكم في أربعينه ثم حكم بصحته قلت : وهو رواية عن إمام المذهب في مسند أبي حنيفة رحمه الله رواه عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة عن أبي وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ( الأعمال بالنيات ) ) الحديث ، ورواه ابن الجارود في المنتقى : ( ( إن الأعمال بالنيات وإن لكل امرئ ما نوى ) ) 1 ه . رووي عن الشافعي في فضل هذا الحديث أنه يدخل فيه نصف العلم ، ووجهه أن النية عبودية القلب والعمل عبودية القالب ، أو أن الدين إما ظاهر [ وهو العمل ] أو باطن وهو النية ، فهو كقوله عليه الصلاة والسلام : ( ( تعلموا الفرائض فإنها نصف العلم ) ) لتعلقها بالموت المقابل للحياة ، وروي عنه ما يدل على أنه ربع العلم كما قال :
عمدة الخير عندنا كلمات
أربع قالهن خير البرية
Page 97